كتاب وشعراء

فائضُ العشق.. بقلم الأديب الكبير: حامد الضبياني

يا حبيبتي…
كيف استطعتِ
أن تجعلي رجلاً
كان يظنُّ أن قلبه
قطعةٌ من صخر،
يرتجفُ
كغصنٍ باغتته أوّلُ قطرةِ ندى؟
كيف مررتِ أمام عينيَّ
فانحنى في داخلي
ما لم تُحنِه العواصف،
وسقطتْ من يديَّ
مفاتيحُ كبريائي،
وصرتُ أفتّشُ عنّي
في المسافةِ بين عينيكِ
وبين ارتباكِ يديكِ؟
كانت البدايةُ نظرةً…
لكنّها لم تكن نظرة،
كانت نافذةً انفتحتْ
على عمرٍ لم أعشه،
وكانت عيناكِ
جهتينِ من الضوء،
كلّما اتّجهتُ إلى إحداهما
ضعتُ في الأخرى،
وكلّما قلتُ: ها أنا وصلتُ،
اكتشفتُ أنّ الطريقَ إليكِ
أجملُ من الوصول.
خجلتِ…
فأزهرتْ وجنتاكِ،
وارتبكَ فمي
كأنّ الكلامَ الذي ادّخرتُه
طوالَ عمري
غادرني دفعةً واحدة،
وتركني أمامكِ
عارياً من البلاغة،
إلّا من قلبٍ
كان يريد أن يقول أحبكِ
فقالتْه دقّاتُه قبلي.
ابتسمتِ…
فانشقَّ ليلُ العالم،
وانفلقَ البدرُ
عن بدرٍ آخر،
وتعلّمتُ أنّ السماء
قد تخطئُ أحياناً
فتضعُ قمرها
في وجه امرأة.
يا امرأةً
كلّما اقتربتُ منها
ابتعدتْ عنّي حدودي،
وكلّما لمستُ يدها
أحسستُ أنّ أصابعي
تتعلّمُ للمرّة الأولى
معنى أن تكون حيّة.
اعترفتُ لكِ…
فاحمرَّ وجهكِ،
وأطرقَ الليلُ رأسه،
وشعرتُ أنّ الأشجار
تُخفي ابتساماتها عنّا،
وأنّ النجومَ
تتبادلُ أسرارنا من بعيد،
وأنّ هذا الكونَ الواسع
كان ينتظرُ منذ الأزل
جملةً صغيرةً من رجل:
أنا أحبّكِ.
ومنذ ذلك الاعتراف
لم أعدْ كما كنتُ؛
صار في صدري وطنٌ
لا تعرفُ خرائطُه الحدود،
وصارت لكِ في دمي إقامةٌ
لا تحتاجُ إلى جواز،
وصرتُ إذا ناديتُ اسمكِ
أسمعُ في أعماقي
باباً قديماً يُفتح،
وأمّاً تنادي ابنها،
ونهراً يعودُ إلى منبعه،
وروحاً تكتشفُ
أنّها لم تكن وحيدةً
كما ظنّت.
كنتُ كالبحرِ
أغرفُ من حضوركِ
ما يروي عطشَ العمر،
لكنّني كلّما شربتُ
ازددتُ ظمأً،
وكلّما ارتويتُ من شفتيكِ
أيقظتْ قبلةٌ أخرى
بحراً جديداً في فمي.
أيُّ سرٍّ فيكِ
يجعلُ الاكتفاءَ مستحيلاً؟
وأيُّ نبعٍ هذا
الذي لا ينقصُ بالماءِ،
ولا يخافُ من كثرةِ الشرب،
بل يزدادُ اتّساعاً
كلّما انحنى عليه عاشق؟
أنا لا أريدُ منكِ
أن تملئي قلبي…
أريدُ أن تتركي فيه
متّسعاً لدهشةٍ أخرى،
لارتجافةٍ أخرى،
لصباحٍ جديدٍ
أراكِ فيه للمرّة الأولى،
كأنّ العمرَ كلّه
لم يكن سوى تدريبٍ طويل
على تلك اللحظة.
وحين أقبّلُكِ
لا أعرفُ أين تنتهي شفتاي
وأين يبدأُ العالم،
تضيعُ المسافةُ بيننا
كما يضيعُ آخرُ خيطٍ من الضباب
في صدرِ الصباح،
ويصيرُ الصمتُ نهراً
تسبحُ فيه أرواحُنا،
فلا أنا أبحثُ عن كلام،
ولا أنتِ تحتاجينَ إلى جواب.
أضمُّكِ…
فتتراجعُ عن كتفيَّ
حروبُ السنين،
ويخلعُ رأسي خوذتَه،
وتستريحُ يدايَ
من ادّعاءِ القوّة،
وأعرفُ أنّ الرجل
ليس مَن لا ينحني،
بل مَن يجدُ امرأةً
يستطيعُ أمامها
أن يضعَ رأسهُ على قلبها
دون أن يخجلَ من دموعه.
آهٍ يا حبيبتي،
ما أجملَ هذا الضعفَ
الذي لا يُهينني،
وهذا الجنونَ
الذي يعيدُ إليَّ عقلي،
وهذا السقوطَ
الذي يرفعني
إلى مكانٍ لم تبلغْه قامتي!
أنا الذي كنتُ
أُجيدُ زمجرةَ العواصف،
أرتبكُ إذا مرَّ صوتكِ
على أطرافِ أذني،
وأبدو أمام الناس
كأنّني جبلٌ لا يتحرّك،
ثم أذوبُ في حضرةِ عينيكِ
كأنّ الجبالَ
لم تُخلقْ إلّا لتتعلّمَ منكِ
كيف تكونُ هشّةً
دون أن تفقدَ عظمتها.
تعالي…
ليس في الغرفةِ ما يستحقُّ النظر
سوى وجهكِ،
وليس في الليلِ ما يستحقُّ السهر
سوى أنفاسكِ،
وليس في الفراشِ متّسعٌ
لأحزانِ العالم،
فلنتركْ للبابِ
أن يحرسَ وحدتَنا،
وللستائرِ
أن تُخفي عن الفجرِ
ما لا يعرفُه العابرون.
ثوبُكِ الأبيضُ
قصيدةٌ لم يكتبْها شاعر،
وهمسكِ الخافتُ
ماءٌ يسري في عروقي،
وعطرُكِ الذي يعششُ في أنفي
ليس رائحةً عابرة،
إنّه ذاكرةٌ تتنفّس،
ويدٌ خفيّةٌ
تُعيدُ ترتيبَ روحي
كلّما بعثرتها الحياة.
أشمُّكِ
فتعودُ إليَّ طفولتي،
وأسمعُكِ
فتصيرُ شيخوختي بعيدة،
وألمسُ يدكِ
فأشعرُ أنّ السنوات
التي أكلتْ من وجهي
لم تستطعْ أن تأخذَ منّي
ذلك الصبيَّ الذي يركضُ
خلفَ فراشةٍ في حقلٍ بعيد،
ويظنُّ أنّ الجمالَ
يمكنُ أن يُمسكَ باليد
دون أن ينكسر.
يا حبيبتي،
لستِ نصفاً ضائعاً منّي،
فأنا لا أؤمنُ بأنّ الإنسان
يولدُ ناقصاً
حتى تأتي امرأةٌ فتُكمله؛
أنا كنتُ رجلاً كاملاً
لكنّكِ علّمتِ اكتمالي
أنّ له وجوهاً أخرى،
وأنّ القلبَ يستطيعُ
أن يكونَ بيتاً
وأن يظلَّ محتاجاً إلى نافذة،
وأن تكونَ الروحُ حرّةً
ثم تختارَ طوعاً
أن تسكنَ روحاً أخرى.
أنتِ عشقٌ
يفتحُ في العشقِ باباً،
وأملٌ
يُعلّمُ الأملَ المشيَ
بعد طولِ انكسار،
وأنتِ السؤالُ الجميلُ
الذي كلّما ظننتُ أنّني أجبته
اكتشفتُ أنّ الحياة
ما زالتْ في بدايتها.
أحبّكِ…
لا لأنّكِ امرأةٌ
تُشبهُ أحلامي،
بل لأنّكِ جعلتِ أحلامي
تخجلُ من ضيقها،
ولا لأنّكِ تمنحينني الفرحَ وحده،
بل لأنّكِ تمنحينَ حزني
كتفاً يتّكئُ عليه،
وتجعلينَ من دمعتي
شيئاً لا أخجلُ من الاعترافِ به.
أحبّكِ…
بما تبقّى من أعوامي،
وبما ضاعَ منّي قبل لقائكِ،
وبكلِّ ما لم أستطعْ قولَه
حين كان الكلامُ
أصغرَ من وجعي،
وبكلِّ ما سأعجزُ عن قولِه
حين يصبحُ الصمتُ
أوسعَ من الحبّ.
وإذا سألوني يوماً:
ماذا وجدتَ فيها
حتى صرتَ بهذا القدرِ من الحنين؟
سأقول:
لم أجدْ فيها امرأةً فحسب،
وجدتُ ذلك الجزءَ من الحياة
الذي يجعلُ الحياةَ جديرةً
بأن تُعاش،
وذلك الضوء
الذي لا يُنيرُ الطريقَ أمامي،
بل يجعلني أحبُّ الطريق
حتى لو طال.
وإذا قالوا:
ألا تخافُ أن تفقدَها؟
سأقول:
أخافُ…
لأنّ ما نحبُّه بصدق
يصيرُ قادراً على إيذائنا،
لكنّني أخافُ أكثر
أن يمرَّ العمرُ
دون أن أهبَ قلبي
هذا القدرَ من الحياة،
فبعضُ الخساراتِ
تبدأُ يومَ نمتنعُ عن الحبّ
كي لا نتألّم.
تعالي…
ضعي رأسكِ على صدري،
ودعي العالمَ يمضي
بكلِّ حروبهِ وأطماعهِ وأكاذيبه،
فنحنُ لا نملكُ إيقافَ الخراب،
لكنّنا نستطيعُ
أن نصنعَ من قلبينِ متعانقين
مكاناً صغيراً
لا يتدرّبُ فيه أحدٌ
على الكراهية.
تعالي…
فقد تعبتُ من التظاهرِ
بأنّني لا أحتاجُ أحداً،
وتعبتُ من رجلٍ
يسكنني ويخشى الاعترافَ
بأنّ امرأةً واحدةً
قادرةٌ على هزيمةِ وحدته.
أريدُ أن أحبّكِ
كما يحبُّ النهرُ ضفّتَيه،
لا ليحتجزَ الماء،
بل ليمنحَه طريقاً،
وكما تحبُّ الأرضُ المطر،
لا لتملكه،
بل لتُخرجَ من صبرها
ألفَ زهرة.
أريدُ حبّاً
لا يضعُ القيودَ على معصمكِ،
ولا يحصي خطواتكِ،
ولا يطلبُ منكِ أن تصغري
كي أشعرَ أنّني كبير؛
أريدُكِ حرّةً
كأنّ السماءَ تسكنُ كتفيكِ،
قريبةً
كأنّ قلبي خُلِقَ
ليحفظَ دفءَ يديكِ،
وأريدُني أمامكِ
رجلاً يعرفُ أنّ الحنانَ
أعلى مراتبِ القوّة،
وأنّ الوفاءَ
ليس وعداً يُقال،
بل عمرٌ لا يخونُ ما قال.
يا حبيبتي…
إذا كان للعمرِ آخر،
فليكنْ آخرُ ما أراه
وجهكِ،
وآخرُ ما أسمعُه
صوتكِ،
وآخرُ ما أشعرُ به
يدكِ وهي تبحثُ عن يدي
في عتمةِ الرحيل.
لكنّني، ما دمتُ حيّاً،
سأتركُ للغدِ نافذةً،
وأزرعُ في الطريقِ وردةً،
وأخبّئُ لكِ في صدري
ألفَ بداية،
فالحبُّ الذي يستحقُّ اسمَه
لا يعيشُ على الخوفِ من النهاية،
بل يصنعُ من كلِّ صباحٍ
سبباً جديداً للبقاء.
أحبّكِ…
كأنّ الكلمةَ
آخرُ ما تبقّى لي من اللغة،
وكأنّ اللغةَ
كلّها لم تُخلقْ
إلّا لتصلَ إليكِ.
أحبّكِ…
وكلّما قلتُها
شعرتُ أنّني لم أقلْ شيئاً،
وأنّ وراءَ الحروفِ
بحراً لم أبحرْ فيه،
وسماءً لم أبلغْها،
وعمراً آخر
ينتظرُ أن أعيشه معكِ.
أحبّكِ…
وهذه المرّة
لا أريدُ للكلمةِ أن تنتهي بنقطة،
فبعضُ المشاعرِ
إذا وضعتَ لها نهايةً
بدأتْ تموت،
وبعضُ النساءِ
لا يتّسعنَ في قصيدة،
لأنّ القصيدةَ مهما اتّسعت
تبقى أضيقَ من امرأةٍ
غيّرتْ معنى القلب.
وأنتِ…
يا حبيبتي،
أجملُ فائضٍ في روحي،
وأعمقُ من أن أصفكِ،
وأقربُ من أن أبحثَ عنكِ،
وأبعدُ من أن أبلغَ منتهاكِ.
أحبّكِ…
وما زلتُ،
كلّما نظرتُ في عينيكِ،
أقفُ على عتبةِ البداية.

كلمات: حامد الضبياني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى