
سأموتُ يومًا
ولا أدري أيُّ بابٍ سيفتحه الغياب
ولا أيُّ ريحٍ ستأخذ اسمي
من بين أفواه الذين أحببتهم.
سأموتُ يومًا
وستشيّعني القصائد
لا النعوش.
سأُحملُ على أكتاف الحروف
خفيفًا كسرٍّ
تعب من الاختباء
وسيمضي بي البياض
إلى آخر الصفحة
حيث لا صفحةَ بعدي.
سيبكي المحاربُ دمعَ الاشتياق
ذلك الذي خبّأ قلبه طويلًا
تحت درعه
وحين يعجز السيفُ عن الكلام
سيكسر القلمَ والدواة
كأنَّما يريد أن ينتقم من اللغة
لأنَّها لم تستطع
أن تُبقي الراحلين.
ستمزِّق كلَّ الأوراق
وستتناثر القصائد
في مهبّ الجهات
لكن حرفًا واحدًا
سيبقى عالقًا في الهواء
يرفض أن يموت.
حرفٌ يشبهني
أو يشبه اللهفة
حين تكتشف متأخِّرةً
أن الذي كانت تبحث عنه
لم يكن في الطريق
بل كان يسكنها.
سأموتُ
فتبكي القصيدةُ لا عليَّ
بل على نفسها
لأنها ستعرف أن الكلمات
كلما اقتربت من الحقيقة
صارت أكثر عجزًا عن وصفها.
وحين يهبط الليل
على مقابر الأسماء
سأسمع من بعيد
من يناديني
أين ذهبت؟
فلا أجيب.
فقد أكون
قد ذهبتُ إلى حيث لا يقال أين
ولا متى
ولا أنا
هناك،
حيث تسقط الأسماء
عن أرواحها
كما تسقط القشور عن الثمار
وحيث لا يبقى من الإنسان
إلا ما كان بينه وبين الله
سرًّا لا يراه أحد.
هناك سأعرف
أن الموت لم يكن خاتمة القصيدة
بل كان
النقطة التي وضعتها يدُ الغيب
في آخر السطر
كي يبدأ المعنى.
وسأفهم، أخيرًا
أنني لم أكن أكتب القصائد
بل كانت القصائد
تكتبني ببطء،
تستنزف من دمي حبرها
ومن وحدتي موسيقاها
ومن انكساراتي
طريقها إلى النور.
فإذا مزقوا الأوراق
لا تحزنوا.
فالذي كُتب بالدم
لا تمحوه النار
والذي خرج من القلب
لا يحتاج إلى ورق.
يكفي أن يمرَّ
ذات مساء
غريبٌ مكسور القلب
تحت سماءٍ وحيدة
فتسقط في روحه
كلمةٌ لا يعرف مصدرها
فيتوقف قليلًا
ويشعر بشيءٍ غامض
يشبه الحنين…
عندها فقط
سأكون قد عدت.
لا في قصيدة
ولا في قبر
ولا في ذاكرة أحد.
بل في ذلك الارتعاش الخفي
الذي يحدث للقلب
حين يلمس
طرفَ الحقيقة.
إنعام الحمداني
2026/9/1