كتاب وشعراء

الأدب العالمي والأدب الصغير: كافكا والهوامش الكبرى.. بقلم: ماجد القيسي

يقف فرانز كافكا كإشكالية مركزية في الأدب الحديث، لا لأنه ثائر أيديولوجي أراد هدم المركز، بل لأن قلقه الذاتي المزمن من غرفة ضيقة في براج كشف عن هشاشة الوجود الحديث. وتتبدى قيمة أدبه في كيفية تحول ما كتبه كاتب يهودي باللغة الألمانية إلى نموذج لما أسماه دولوز وغواتاري (الأدب الصغير)، ثم انتقاله ليكون ركناً في (الأدب العالمي). إن أطروحة المقال تقوم على أن الأدب الصغير ليس مجرد أدب أقلي عددي، بل ممارسة تفكيكية حتمية نابعة من مأزق انتمائي، تحول الهامش الشخصي إلى مركز إنساني عابر للثقافات.
طرح جيل دولوز وفيليكس غواتاري مفهوم (الأدب الصغير) عبر ثلاث خصائص، رغم ما يكتنف المفهوم من تنميط نقدي؛ أولها انزياح اللغة (Deterritorialization)، حيث تُنزع السيطرة والمركزية عن لغة الأغلبية. لم تكن ألمانية كافكا مجرد لغة (جافة)، بل كانت لغة تقارير بيروقراطية باردة وصارمة يُعبر بها عن كوابيس سريالية غير منطقية، ممّا جعل الألمانية تتغرق (توضيح: يمكن إبقاؤها كما هي أو تعديلها إلى “تغرق”) في الغرابة داخل نصها. ثانيها ربط الفردي بالسياسي؛ فمأساة غريغور سامسا في (التحول) ليست مجرد عزلة فردية، بل هي تشريح دقيق لاستغلال الأسرة والمؤسسة للجسد الإنساني. ثالثها التعبير الجمعي؛ حيث يتحول صوت الفرد المأزوم إلى صدى لاغتراب مجتمعي شامل.
ينبع أدب كافكا من هامش مركب غير واعد: هامش لغوي (يكتب بألمانية معزولة وسط أغلبية تشيكية)، وهامش ديني (يهودي علماني متوجس)، وهامش نفسي يتصدره صراعه الوجودي مع السلطة الأبوية كما في (رسالة إلى الأب). لم يكتب كافكا بوعي الثائر الذي يبتغي صياغة “ثورة أدبية”، بل كتب بوعي المخنوق الذي يحاول التنفس داخل أروقة المكاتب والبيروقراطية. وفي رواية (المحاكمة)، لا نرى صداماً سياسياً مباشراً، بل نرى كيف يتحول القانون ذاته إلى كابوس مبهم يُدين الإنسان دون معرفة جريمته، مجسداً أقصى درجات الاغتراب.
هنا تتقاطع تجربة كافكا مع مفهوم (الأدب العالمي) عند غوته وديفيد دامروش؛ إذ لم يستمد كافكا عالميته من تناوله لقضايا إنسانية عامة بأسلوب تجريدي، بل من الغوص المفرط في خصوصيته البراجية الضيقة ومأزقه الذاتي. إن عالمية كافكا جاءت من القاع؛ حيث تحولت تجاربه الذاتية المعزولة إلى شفرة يفهمها كل من يعاني من سطوة المؤسسات والبيروقراطية في أي نقطة من العالم، مما يثبت أن العالمية لا تمنحها المراكز الثقافية، بل تفرضها الخصوصية الصادقة.
إن محاولة إسقاط مفهوم (الأدب الصغير) على أدبيات ما بعد الاستعمار أو أدب الجنوب تتطلب حذراً تفكيكياً؛ فاختلاف السياقات التاريخية شاسع بين جغرافية الإمبراطورية النمساوية المجرية وبين أدبيات الشعوب المستعمرة. ومع ذلك، يكمن الخيط الرابط في قدرة هذه “الهوامش الكبرى” على إرباك السرديات المركزية الغربية؛ إذ لم يعد الهامش ينتظر اعتراف المركز الأكاديمي أو النخبوي لكي يكتسب شرعيته الأدبية، بل أصبح يُعيد تعريف جماليات الأدب العالمي من خارج الحدود التقليدية.
ختاماً، لم يكن كافكا يملك يميناً (توضيح: إن كنت تقصد الحلف/القسم فالكلمة صحيحة، أما إن كنت تقصد “أماناً” أو “انتماءً” لغوياً فقد تكون سقطة طباعية) لغوياً ولا وطناً مريحاً، فحول هذا العجز إلى أسلوب أدبي خالد. إن الأدب الصغير ليس خياراً أسلوبياً ثانوياً، بل هو دينامية تفكيكية تمنع الأدب العالمي من التكلس في أطر النخبوية والمركزية، مبرهناً على أن الهوامش الصادقة، بما تحمله من قلق وانكسار، هي التي تمنح الأدب طاقته التجديدية الكبرى.

بقلم: ماجد القيسي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى