
كأنّكَ منفيٌّ.. كأنّكَ المنفيُّ.
تحمل المطر في عينيكَ والكلاب الضّالّة بين شفتيكَ
لأنّكَ ما زلت تحتاج لتَعَلُّمِ الكثير من الشّتائم الجديدةِ
فقط، لتنجو لمدّة ابتسامة واحدة أخرى
وما زلتَ تحتاجُ لمطر كثير
لينبُتَ فيك وطنٌ صغيرٌ تعود إليه كلّما سَقَطْتَ من حقيبة سفرْ
أو تركَكَ طريقٌ خارجَ العناوينْ…
كأنّكَ منفيٌّ
أنتَ الذي ما جرّبتَ أن تمارس لغتَكَ،
خلسة،
في مقهى أو بار أو في مصعد مع امرأة عابرةٍ
ولا اتّهمتكَ كاميراوات المراقبة
بحيازة وجهِ مهاجرٍ تخفيه داخل لكنَتِك الغريبة
وأنتَ الذي ما جرّبتَ أن تمنعك الحدائق العامّةُ
-في المدينة التي لستَ من سلالة طينها-
من أن تنسى تعبكَ على أحد مقاعدها
ثمّ تمضي لحزنٍ جديد…
لكنّكَ منفيٌّ.. أيّها المنفيُّ
حين ترتادُ هذا اللّيل وحيدا
فتشرب حُزنكَ
دون بكاء
حتّى لا تُفسدَ احتفال قدماء الموتى بالقادمين الجددْ
وتُصفّق، طويلا جدّا، لجثّتكَ
وهي ترقصُ
للعابرين، كالنّصالْ، فيكَ
حتّى لا يشعروا بالمللِ فيطلقون عليك لقب: “منفى”…
أنتَ المنفيُّ حين تُغادر هذا اللّيلْ
مستندا إلى صمتكَ تتبعُ ظلّا صغيرا مازال يدّعي أنّه يعرفُكَ
لتنام، في النّهاية، وراء “واو عطف” في قصيدة مات شاعرها ولم تكتملْ.
كأنّكَ منفى.. كأنّك المنفى
ذاكرتكَ سوق خَضار
– في بلادنا –
في آخر النّهارْ
وسوق الخضار،
صباحا،
لا يُشبهُ في شيء سوق الخضار بعد أن يغادر الجميعْ…
كلّ شيء يوحي أنّ الجميع كانوا هنا.. لا أحد هنا!
لكنّك منفى.. أنت المنفى
مكتظّ أنتَ
بحقائب السّفرْ، ببراويز صور حملها غرباء معهمْ،
بصلوات لا تدعو لكَ،
بقصص لم يُدَوّن فيها اسمك،
بأسماء تحمل كلّ الهوّيّات إلّا هويّة وحهكَ
وبأحاديث عن أنهار لم تسلك قريتكَ،
عن أشجار لم تجرّب ماء قريتك المالح وعن أشباء أخرى…
ولأنّكَ المنفى
أحرقوا كلّ مدنكَ،
فقط،
ليزرع الله قبورهم في طينهم الأوّل
فلا تُصاب شواهدُها بلعنة طينكَ!
أنتَ المنفيُّ وأنتَ المنفى
مطاردٌ أنتَ؛
تُلاحقُكَ الكلاب الضّالّة التي بين شفتيكَ
بعد أن صادر الوطن أحلامكَ لأنّ لسانكَ ليس ممهورا باسم مسؤول كبيرْ
أنت، الآن، تشتم وجهكَ سرّا
حتّى لا يهطل المطر في عينيكَ فتستطيع التّسكّع
مع حدبة ظهركَ
في قصيدة لا علاقة لها بالحزنْ
لكنّ أعشاش العصافير المنفيّة فيكَ
تهمس لكَ:
الوطن لعبة يناصيب وأنت رجل سيّئ الحظّ، يا عزيزي…
أنتَ تختبئ الآن!
تختبئ منكَ
ومن الكلاب وأصابعك الضّالّة ومن المطر في عينيكَ!
تُخرجُ رأسك – بحذر – من جيب خارجيّ لحقيبة ظهر نسيها أحدهم على حافّة الطّريق
وتراقب إن كان وجهك الذي شتمته على الحدود مازال يبحث عنكَ
فترى أصابعك تمارس العادة السرّيّة مع فستان امرأة مجهولة
وترى وجهكَ يتلصّص عليهم!
تعود إلى جيب الحقيبة،
تدخّن ابتسامة أخيرة
وتنتظر أن يعبر أحد ما
بحقيبة الظّهر
من حدودِكَ إلى حدودِك الأخرى…