محمد عنانى
قد وقفنا في الحلقة السابقة عند” دون أن ننغمس بها، وبالنسبة لي على المستوى الشخصي لم أخرج إلى الحياة الطبيعية إلا في يناير 77، وبالتالي فقد عرفت بالصدفة عن هذا البيان المضاد لصلاح عبدالصبور، ولو كان قد عُرض عليّ آنذاك لرفضت التوقيع عليه».
نعود إلى عبدالصبور، الذي شعر، ربما، بأن معركته ستكون خاسرة، حيث لم يملك سلاطة لسان أصحاب الرسالة، وكان صمته يتسق مع شخصيته التي مالت – على الدوام – للبُعد عن المشاكل، لكن المشاكل كانت تبحث عنه، وتم اتهامه كثيراً بالانسحاق أمام مسؤولي الثقافة، ومؤسساتهم، في ذلك الحين، ولم يخرج ليقول: «لا. لست هذا الشخص»، لقد كان مؤلماً لكثير من الكتاّب وقتذاك موقفه، ووصفوه بـ«الانتهازي» فقد رضى بأن يكون سلّمة يسند عليها يوسف السباعي، الذي كتب افتتاحية أول عدد من «الكاتب الأميرية» تحت رئاسة تحرير عبدالصبور، نوفمبر 1974، مشيداً بإنجازات عبدالناصر ومن بعده أنور السادات، وربما أراد أن يؤكد للجميع أن الدولة تسترد مجلتها ممن تعتبرهم «خارجين على الإجماع الوطني»، ولم يكن أحد من اليساريين على استعداد ليتفهم حقيقة أن عبدالصبور كان موظفاً كبيراً بـ«هيئة الكتاب» إحدى مؤسسات وزارة الثقافة، أما عبدالصبور نفسه فقد كان هناك من ينوب عنه في الرد، كما فعل خيري عزيز، حين كتب مقالاً في عدد يناير 1975 من «الطليعة»، وكان من هيئة تحريرها، تحت عنوان «دفاعاً عن الحقيقة لا عن صلاح عبدالصبور»، وهو وإن بدأ بالاعتراف بحق محمد يوسف، ومحمد محمد الشهاوي، وحسن النجار، في عدم نشر قصائدهم بـ«الكاتب الأميرية» إلا أنه أعلن بوضوح أنه لا يستطيع أن يقرهم بما ذهبوا إليه من أن عبدالصبور «حارب وحاصر في كل تاريخه ومواقعه ما يزدهر في مصر ويتفتح»، وإنما «كان دوماً جزءاً لا يتجزأ من حركة الشعراء والكتّاب الوطنيين التقدميين الساعين إلى وطن أكثر تقدماً وإنسانية وعدالة» ولذلك «من الإجحاف والتزيّد تصوير شاعر كبير لا يملك سوى قوة كلماته، وحتى مكانته الأدبية الإدارية، بكل قوة البطش هذه، التي راح ضحيتها: كل ما يزدهر ويتفتح في بلده بأسره».
لقد كان هذا الرد غريباً من أحد كتّاب «الطليعة» التي استضافت «الكاتب» في محنتها، إلا أنه عموماً كان مجرد حلقة في صراع استمر طويلاً، وقد أرّخ الكاتب الستيني إبراهيم منصور للقضية برمّتها في مجلة «الآداب» البيروتية، عدد نوفمبر 1974، وكان ملفه، بخلاف أنه جمع كل الوثائق والكتابات التي نُشرت حول تلك القضية، يحوي شهادات لأسماء من العيار الثقيل، مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس وإبراهيم أصلان، ورضوى عاشور، وقد رحل أصحاب الشهادات جميعاً باستثناء الكتّاب محمود الورداني وسعيد الكفراوي وعبده جبير.
بدا إبراهيم منصور مثل أرشيفجي، لا يملك مشاعر بخصوص القضية، لكنه أرشيفجي ممتاز، يجيد استخراج المعلومات، ووضعها في سياقات مفهومة ومباشرة وشديدة الوضوح، والأهم أنها موثّقة، وبعد عقود من الآن، يمكن لأي شخص أن يعود إلى هذا الملف وحده ليفهم ما كان يجري، وما المجلات والأشخاص الذين استخدمهم اليمين في معركته، وكذلك الحال بالنسبة لليسار، وكل شيء مدعوم بالتاريخ. كانت الآداب منحازة بالطبع إلى اليسار، لكن ذلك الانحياز لم يكن فجاً، حيث أفسحت المجال كذلك لشهادة كتّاب اليمين المتطرفين مثل ثروت أباظة، لكن الملف ورغم أنه شمل الفترة من أبريل إلى سبتمبر إلا أنه لم يكن جامعاً مانعاً، ولم يضم كثيراً من المقالات والحوارات والتحقيقات الصحفية التي كُتبت في تلك الفترة، ومنها حوار صلاح حافظ مع الوزير يوسف السباعي في «روز اليوسف»، وأيضاً مقالات «الطليعة» التي استضافت هيئة التحرير القديمة لـ«الكاتب».
وبحسب إبراهيم منصور: «صدرت مجلة الكاتب عن دار التحرير، التي تصدر عنها صحيفة الجمهورية الآن، في أول أبريل عام 1961، وكان رئيس تحريرها آنذاك الأستاذ أحمد حمروش، وضم مجلس تحريرها الدكتور لويس عوض والدكتور محمد مندور» و«في أول يناير سنة 1964 تولى الأستاذ أحمد عباس صالح رئاسة تحرير المجلة، وضم مجلس التحرير آنذاك الأساتذة: كامل زهيري، محمد عودة، يوسف إدريس، نعمان عاشور، محمد محبوب، وصدرت المجلة تحت شعار: مجلة المثقفين العرب، واتخذت منذ ذلك الحين خطاً يسارياً قومياً واضحاً»، و«في سبتمبر، عام 1964 عُيّن الصحفي حلمي سلام رئيساً لمجلس إدارة التحرير، فقام بنقل الكتّاب اليساريين الذين يعملون بدار التحرير إلى شركات القطاع العام المختلفة، ونقل رئيس تحرير الكاتب إلى شركة لتجارة الأخشاب، كذلك تم نقل معظم أعضاء مجلس التحرير، وأغلقت الكاتب بقرار من الصحفي حلمى سلام، غير أن رئيس الجمهورية الراحل جمال عبدالناصر أمر بأن تصدر الكاتب خارج دار التحرير، وعلى نفقة وبجهد مُصدِريها، وهم تقريباً رئيس التحرير وأعضاء مجلس التحرير»..
و«في أول أكتوبر، عام 1964 صدر العدد التالي من الكاتب بمجهود أسرة التحرير الذين تضامن معهم بعض العناصر التقدمية في القطاع العام، الذين ساعدوا المجلة عن طريق تزويدها بالإعلانات» و«في أوائل عام 1966 أراد الدكتور عبدالقادر حاتم الذي كان نائباً لرئيس الوزراء للثقافة والإرشاد القومي في ذلك الحين، أن يسيطر على المجلة، فطلب من أسرة التحرير أن تنضم إلى وزارة الثقافة، ونظراً للمتاعب المالية التي كانت تواجهها المجلة، رغم أن توزيعها وصل إلى اثنى عشر ألف نسخة، قبلت أسرة تحرير المجلة إصدارها عن طريق وزارة الثقافة، ومنذ اليوم الأول بدأ الصدام المتوقع بين المجلة وبين السيد نائب رئيس الوزراء حين طلب (أيضاً!!) أن يطلع على أصول المقالات قبل نشرها، ولكن أسرة المجلة رفضت ذلك، ولم تمض أكثر من ثلاثة شهور حتى أصدر السيد النائب قراراً بأن تكفّ الوزارة عن تمويل المجلة، وعادت المجلة مرة أخرى إلى الشارع» و«استمرت المجلة رغم ذلك في الصدور بالمجهود الفردي لأسرة التحرير، حتى عُيّن الدكتور ثروت عكاشة وزيراً للثقافة (كانت المجلة قد نشرت عدة تحقيقات طويلة عن الأوضاع المتردية في مؤسسات وزارة الثقافة، وبخاصة في قطاع النشر، قُبلت على إثرها استقالة الدكتور حاتم، وشُكّلت ست لجان للتحقيق فيما ورد بتحقيقات المجلة عن هذه المؤسسات وطلبت المجلة أن تنضم مرة أخرى إلى وزارة الثقافة»..
و«في سبتمبر عام 1971، عُيّن الدكتور حاتم مرة أخرى نائباً لرئيس الوزراء، وأصدر فور تعيينه قراراً بإغلاق جميع المجلات التي كانت تصدرها وزارة الثقافة بما فيها مجلة الكاتب» و«أصرّت أسرة التحرير على مواصلة إصدار المجلة، وتبرّع كتّابها ومجلس تحريرها بأموال من جيوبهم الخاصة، وفى مقدمتهم الدكتور عبدالعزيز الأهواني الذي كان يتولى رئاسة التحرير بالنيابة عن الأستاذ أحمد عباس صالح لوجوده في الخارج» و«أثبتت الكاتب بطلان القول بأنها تخسر مادياً، بتقديمها لكشوف توزيع المجلة، فاضطرت الهيئة العامة للكتاب التابعة للوزارة، أن توافق على إصدارها بشرط ألا تعطي أي مكافأة مالية. قبلت أسرة المجلة ذلك واستمر هذا الوضع مدة ثلاثة عشر شهراً، إلى أن طلبت وزارة الإعلام العراقية الاشتراك في خمسة آلاف نسخة من المجلة، وكان العراق سوقاً رائجة لمجلة الكاتب» و«في فبراير عام 1974 أصدر الرئيس أنور السادات قراراً برفع الرقابة عن الصحف، وصدر عدد مارس عام 1974 من المجلة، يتضمن باب (شهرية السياسة العربية) الذي كان يكتبه الأستاذ حسنين كروم، ووردتْ فيه عبارة حول المساعدات الإيرانية للأكراد المتمردين في العراق. اتصل الأستاذ طلعت خالد وكيل وزارة الإعلام لشؤون الرقابة برئيس التحرير، وأبلغه أن السفير الإيراني احتج على هذه العبارة، وأنه لذلك لا بد من مراجعة أصول المجلة قبل طبعها، ولما رفض رئيس التحرير أبلغه الأستاذ وكيل الوزارة المذكور أنه سيتولى مراجعة أصول المجلة بالطرق الإدارية حيث أن المجلة تُطبع في مطابع حكومية، وظلت المجلة على ذلك موضوعة تحت الرقابة حتى شهر يونيو 1974، وقد تعرضت مجلة الطليعة لنفس الموقف حين طلب الأستاذ علي أمين الذي كان رئيساً لمجلس إدارة الأهرام آنذاك، أن يراجع أصول المجلة قبل طبعها»..
و«صدر عدد أبريل سنة 1974 من مجلة الكاتب، وبه مقالان للأستاذين أحمد عباس صالح وصلاح عيسى…وعقب ذلك، وفي الرابع من أبريل سنة 1974 نشر الأستاذ إبراهيم الورداني، وهو من أصدقاء الأستاذ يوسف السباعي المقرّبين مقالاً في جريدة الجمهورية طالب فيه بإغلاق مجلتي الكاتب والطليعة، وفي الحادي عشر من أبريل 1974 رد عليه الكاتبان عباس صالح، وصلاح عيسى، في جريدة الجمهورية» و«في نفس اليوم، أي في الحادي عشر من أبريل 1974، عقد مجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للكتاب اجتماعاً أثار فيه الأستاذ صالح جودت، الذي عيّنه الأستاذ يوسف السباعي عضواً في مجلس إدارة هذه الهيئة، مسألة أن مجلة الكاتب رغم أنها تصدر عن وزارة الثقافة فإنها تهاجمها، وطالب بأن تتوقف الوزارة مرة أخرى عن تمويل المجلة، ولكن رئيس مجلس إدارة الهيئة الدكتور محمود الشنيطي اقترح كحل وسط أن يكتفي برفع اسم الهيئة باعتبارها جهة الإصدار من ترويسة المجلة» و«في شهر مايو 1974، وأثناء مناقشة دارت في نقابة الصحفيين المصريين، حضرها السيد وزير الإعلام الدكتور أحمد كمال أبوالمجد أُثير موضوع وضع مجلة الكاتب تحت الرقابة، خلافاً لقرار السيد رئيس الجمهورية بسبب موقفها من وزارة الثقافة، ووعد السيد وزير الثقافة، والسيد وزير الإعلام ببحث الموضوع» و«في شهر يونيو 1974، عقد مجلس تحرير المجلة اجتماعاً برئاسة الدكتور محمد أنيس قرر فيه ممارسة حقوقه التي يكفلها رئيس الجمهورية برفع الرقابة عن الصحف وأرسل خطاباً رسمياً إلى الهيئة العامة للكتاب يبلغها فيه أنه اعتباراً من عدد شهر يوليو 1974 سيتولى رئيس التحرير مسؤوليته الكاملة عن كل ما يُنشر في المجلة» وأخيراً «في عدد شهر يوليو 1974، نشرت المجلة إعلاناً عن أنها ستُصدر ملحقاً أدبياً يشرف عليه الأستاذ رجاء النقاش، وعلى إثر ذلك استدعى السيد وزير الثقافة رئيس التحرير بالنيابة الدكتور محمد أنيس وأبلغه بعدم موافقته على إصدار هذا الملحق وعلى الشخص المشرف عليه».
وحتى لا اطيل على سيادتكم نكمل في الحلقة القادمة باقي الرحلة ومن يهتم بالأمر نرجو التعليق بأكمل