رؤي ومقالات

حروب الرعيل الأول لنشر الإلحاد في مصر “الحلقة السادسة ..تفكيك الملحدين …

محمد عنانى

قد وقفنا في الحلقة السابقة عند “وعلى إثر ذلك استدعى السيد وزير الثقافة رئيس التحرير بالنيابة الدكتور محمد أنيس وأبلغه بعدم موافقته على إصدار هذا الملحق وعلى الشخص المشرف عليه».
كانت الأمور سجالاً بين معسكري اليسار واليمين، بل إن بعض الفترات كانت تشهد تفاهمات، لكن بمجرد حلول يوسف السباعي في منصب الوزير بدأ ما يشبه حرب التطهير ضد المسؤولين عن المجلات، وكان لكل طرف مفهومه عن الاشتراكية والحريات والوطنية، وصار التلاسن عنواناً لتلك المرحلة، غير أن «هتيفة» السباعي كانوا الأعلى صوتاً، فبينما يقول أحمد عباس صالح في عدد أبريل 1974 من «الكاتب»: «لعل الذين يتصايحون الآن من أجل الحرية هم أقل من أصيب، والحق أنهم كانوا يباركون القهر تحت أفكار ولافتات لا تختلف عن التي يرفعونها الآن» يرد عليه إبراهيم الورداني في عدد 4 أبريل من «الجمهورية» مستخدماً ألفاظاً نابية وعبارات شديدة القسوة، لكنه يبدأ أولاً بالهجوم على «الطليعة»: «لا تقل عنهم مجازفون شرفاء، بل قل مسترزقون مستميتون»، ثم عرج إلى «الكاتب» وإلى رئيس تحريرها أحمد عباس صالح ليصفه بأنه «مغتاظ وحانق ويفتك به الغل من إفساح الطريق للفكر الوطني» ثم طالت كلماته الكاتب صلاح عيسى دون أن يسميه كذلك، حيث بدا الورداني مغتاظاً للغاية من تقريظ عيسى الشديد لكتاب نقدي نشره رجاء النقاش، لم يسمّه كذلك، وهو كتاب «العقاد بين اليسار واليمين»، وكذلك بدا غاضباً لأنه بحسب ما ذكره فإن النقاش هاجم العقاد «الذخر القومي الكبير» قائلاً عنه: «إنه متعيش ومسترزق، وبلا مبادئ، ورجعي، ومنافق، وحقير، وشتام، ومتعصب» ثم ينهي مقاله قائلاً: «أعوذ بالله منها ثقافة بروليتاريا»، وبعد أسبوع على هذا المقال، 11 أبريل 1974، يكتب إبراهيم الورداني مجدداً عن اتصال أجراه معه أحمد عباس صالح دون أن يذكره بالاسم، وربما كانت نوايا «صالح» طيبة وجيدة مثل اسمه وإلا ما أقدم على هذه الحركة، التي استخدمها الورداني في مزيد من التنكيل به: «صباح الخميس الماضي يا عزيزي القارئ، أيقظني جرس تليفون لحوح، وكان المتكلم المذعور هو رئيس تحرير تلك المجلة الشهرية التي اقتبستُ لك منها فقرات تشتم في صحافة ما بعد الرقابة، وتقول إنها باتت تمتلئ بكل مرتجل وفج وتافه وجاهل ورخيص» ويقول إنه نقل فقرات من مقالات «الكاتب» وهو يغلق عينيه مستغفراً غير آبه بما يسمونه زمالة أو علاقة أو صداقة، ثم ينهي تلك الفقرة بنفاد صبر: «كفاية أمراض للشعب المصري يا كوليرا الأقلام»، ثم يبدأ في رسم بورتريه ساخر، أو يحاول أن يبدو ساخراً، لكنه في حقيقة الأمر كان يسعى للنيل من ذمة أحمد عباس صالح: «العقائدي المكتنز، حنون الكادحين، ورمش عين المستنزَفين»، وهو يستسمح القرّاء، وكأنهم يجلسون أمامه، في أن يرفع بعض المكياج الاشتراكي عن وجه صديقه أو زميله هذا ليعطيك بعض المعلومات العامة عنه، فما تلك المعلومات؟ يكتب الورداني: «يذرع شوارع القاهرة بعربته المرسيدس الفارهة، وليس في ذلك ملام طبعاً، عندما تعرف أنه كثير المشاوير، متعدد المنافع، متنوع الأعمال، شاطر وفهلوي وأريب، فهو مثلاً رئيس تحرير تلك المجلة الشهرية، وله منها مرتب أو فوائد طبعاً، وهو ملتحق بإحدى دور الصحف الكبرى، وله منها مرتب كبير طبعاً، وهو صاحب إيراد سنوي ضخم من سيناريوهات أفلام الجنس والحقد والإثارة، التي يرميها له أحد المخرجين في عيون الجمهور كل موسم، وهو منتشر دؤوب ما بين بغداد لبيروت، في الاستثمار العقائدي، ولديه من يسهّلون له القبض أو من يخزنون له القرش الأحمر لليوم الأسود، أما عن سلوكه الثقافي فهو من نوع (قلم بلا قرّاء) يعني من فصيلة هؤلاء الكتّاب الذين يضطهدون الشعب المصري، بأنواع كتابة أو ثقافة كالكلاكيع، عقربية أخطبوطية تفزع البني آدم من أي ثقافة أو كتابة وتنفّر من أي فكر أو فن!»..
ثم يأتي الورداني إلى المكالمة، ساخراً من صالح ومن كلماته ويصفها بأنها كالطرْق العاطفي المتوسل: «بدا لي منهاراً، ومثل كل المصريين ذبت معه في سخونة هذا الطرْق العاطفي، ومعلهش يا فلان، خد الأمور برياضية، معلهش أرجوك، اشتمني ما شئت، وإذا كان هذا يهدّئك فسوف أشتم نفسي أمامك، خد الأمور برياضية، المسألة ليست شخصية، نحن في ساحة عمل عام، وما غاظني إلا تلك النبرة التي علت فجأة عندك وعند أصحابك، لم تعد تُطاق يا فلان، شبابيك الحرية التي فتحها السادات يقفزون إليها ويزعقون كأنهم قراصنة أو فتوات أو بلطجية، ناصريون متشجنون الآن بلا سبب، وأذكّرك بألقاب طاردوا بها الرجل في حياته، مثل السفاح والعميل، متغطرسون ومتبجّحون جداً يا فلان، فأي قلم يكتب ماعداهم جاهل ورجعي وتافه وخائن، متطاولون جداً يا فلان، ومن بغداد يكتبون العرائض ضد نصر 6 أكتوبر، ومن طرابلس يزعقون في الميكرفونات، ومن بيروت يبيعون علينا المؤامرات».
ثم رد أحمد عباس صالح في نفس العدد من «الجمهورية» ولكن على المقال الأول للورداني بمقال تحت عنوان «محاكم التفتيش»: «من أعجب العجب أن يخوفني إبراهيم الورداني بالسلطة، وكالمرشدين والمخبرين يبلغ عني، اضبطوا هذا ماركسي» ويعلن صالح التحدي وأنه لا يهاب أحداً حتى ولو كان السلطة ذاتها، وهو كذلك لا يترك حقه وإذا كان الورداني قد لطمه فإن صالح دهسه بقطار: «الورداني قد يحتاج للتملق فله صفحات مطولة في مديح من قاموا بتعذيب المصريين ومن أهانوا كرامتهم ومن كان ينفع معهم التبليغ عن الناس»، ثم يعدد الأسباب التي دعت الورداني لمهاجمته، ومنها أن «المصري الكريم، الإنسان المحب لشعبه وأمته لم يقبل إهدار الكرامة»، وأن «أسلوب الوصاية أسلوب كريه، حتى ولو كان يتضمن خير الأمة» وأن «تدهوراً ثقافياً حقيقياً يزحف كالمرض على عقل هذه الأمة»، وكتب صلاح عيسى في نفس العدد كذلك رداً تحت عنوان «من هم المسترزقون المستميتون؟!» قائلاً: «ليس صحيحاً أن كتاب الأستاذ رجاء النقاش يصف العقاد بأنه متعيش ومسترزق وبلا مبادئ ورجعي وحقير وشتّام ومتعصب كما جاء في مقال السيد الورداني، إذ الواضح أنه لم يقرأ الكتاب وأراد بهذا الافتراء أن يمهد لهجومه عليّ، لأنني مدحت هذا الكتاب بما يستحقه، ولست طرفاً في هذه الخصومة القديمة التي بينه وبين الأستاذ رجاء النقاش، والتي يصرّ السيد الورداني على إعطائها بُعداً سياسياً باتهام كل من كان طرفاً فيها بأنه ضد الوطنية ومعاد لحركة التصحيح، ولعله يتصور أن إلحاحه هذا سيجوز على الدولة فتتدخل للانتقام من كل الذين لا يرضون عن أعماله الأدبية، ولمَ لا والأستاذ في كل ما يكتب يحاول أن يصور حركة التصحيح كأنها من فعله، وكأنه ناضل من أجلها، وأن له فيها ما ليس لأي إنسان في هذا البلد».
وقد كان هذا قطعاً قبل سنوات طويلة من الوقيعة التي جرت بين رجاء النقاش وصلاح عيسى بسبب «القاهرة»، التي صدر منها عدد واحد برئاسة الأول، قبل أن يظهر الثاني على الخط، ويقفز على المجلة، وقد قام عيسى في هذه الحالة بنفس الدور الذي قام به صلاح عبدالصبور، الذي قَبِل برئاسة تحرير مجلة «الكاتب» بعد طرد كتّابها، بل إن عبدالصبور أفضل حالاً، فلم تربطه صلة قرابة أو مصاهرة مع أحمد عباس صالح، كما هو الحال مع عيسى الذي تزوج من أمينة النقاش شقيقة رجاء، كما أن عبدالصبور لم يعلن يوماً أنه كاتب يساري، وكان موظفاً بالهيئة العامة للكتاب، بينما طرح عيسى نفسه طوال الوقت باعتباره مناضلاً من الطراز الرفيع، إلا أن الاثنين كانا يشتركان في علاقة وطيدة بوزيري الثقافة، عبدالصبور ويوسف السباعي، عيسى وفاروق حسني، وإن كانت العلاقة الأخيرة صادمة ومفاجئة للوسط الثقافي، إذ بدت بالنسبة لكثيرين كأنها تزاوج غريب ولا يجوز أو – بمعنى أدق – غير منطقي بين السلطة واليسار، لكن صلاح عيسى باع الكل في هذا التوقيت، على ما يبدو، وعلى رأسهم رجاء النقاش، لحسبة لا تخص أحداً غيره.
صلاح عيسى لصلاح عبدالصبور: مبروك عليك وكالة الوزارة
وكتب عبدالعزيز الدسوقي في ملحق «التحرير» لمجلة «الثقافة» 19 أبريل 1974، التي كان يشغل منصب نائب رئيس تحريرها آنذاك، مستهجناً اللهجة العدائية لأحمد صالح عباس ضد إبراهيم الورداني، ولوهلة يمكن أن تنخدع في كلماته، خاصة مع أسلوبه الرصين، لكنه يعيد نشر شتائم الورداني في حق صالح، معقباً في النهاية: «ومع أنني لا أقر هذا الأسلوب في الجدل حول القضايا الفكرية إلا أنني أشد على يد إبراهيم الورداني وأحيّيه، فلا يفلّ الحديد إلا الحديد، وعندما يكتب أحمد عباس صالح بأسلوب علمي محدد مفهوم يمكن أن نرد عليه بأسلوب موضوعي هادئ»، ورد عليه صلاح عيسى في عدد يوليو 1974 من «الكاتب» دون أن يسمّيه، ولكن ليس عن هذا المقال، وإنما عن مجمل مقالاته خلال عدة شهور، قائلاً: «يبدو التناقض الواضح على الجبهة الفكرية عندما نقرأ لكاتب أنه يتخيل العالم بدون طعام أو شراب ولا يتخيله بدون حرية الفكر وحرية العقيدة وحرية الضمير (التحرير – الملحق الأسبوعي لمجلة الثقافة الشهرية 22/2/1974) وبعد أقل من أسبوعين يسارع نفس الكاتب ليقول عن مجلة تختلف معه في الرأي إنها: تُمارِس دوراً بغيضاً في إفساد حياتنا الفكرية والأدبية وتتصرف كمؤسسة سياسية مستقلة تصدر البيانات وتدين الناس، وتستخدم الفلول الباقية لمراكز القوى الغاربة التي لا تزال تتلكأ في ساحاتنا الأدبية والفكرية (التحرير – 8 مارس 1974). إن حرية الفكر والضمير والعقيدة هي حرية الكاتب وحده، أما من يمارس حرية رأيه غيره – بما يختلف معه في الرأي – فلا بد من إبلاغ أجهزة الأمن أنه من عملاء مراكز القوى، وعلى صفحات الصحف (راجع أمثلة لهذا أيضاً في التحرير 7/12/1974 وفي الجمهورية 7/3/1974) ويتزايد الإلحاح الآن في بعض المنابر لتطهير الصحافة وطرد عدد من الكتّاب منها بزعم أنهم أيديولوجيون، وأنهم لا يعبّرون عن رأي الشعب»، ثم بدأ صلاح عيسى في مهاجمة المسؤولين بهيئة الكتاب الذين يضعون العراقيل لعدم إصدار «الكاتب»، وبحسب عيسى إذا سألته عن الحكاية سيتحدث عن الورق والعملة الصعبة، ويمضي ساخراً: «فإذا قلت له إن الويسكي موجود، أكد أن ذلك من اختصاص وزارة السياحة، ويبتسم شريكه صلاح عبدالصبور (مبروك وكالة الوزارة) ولا يرد، وتشعر أن الكلام مع المسؤولين في هيئة الكتاب يحتاج إلى مترجم يعرف الإسبرانتو (لغة مصطنعة اخترعها أليعزر زامنهوف کمشروع لغة اتصال دولی) وتُدهش إذ تكتشف أن الهيئة لديها ورق توفره لمجلات يكتبها جيل واحد من الكتّاب وتيار واحد من تياراتهم، وأن الأدباء الشبان عندهم هم صحفيون لا أدباء تجاوزوا السبعين، وفي هذه المجلات مقالات كأنما تسعى إلى تحريض وزير الداخلية على اعتقال عدد وافر من كتّاب مصر ووضعهم في السجن، في حين أن مقالات هؤلاء السادة يعاقب عليها المساكين الذين يقولونها دون أن يكونوا محررين في مجلات الوزارة بمقتضى قانون حماية الآداب لأنها تخدش الحياء العام ومع ذلك فهي تُعتبر عند المسؤولين من كل هذه المجلات نقداً أدبياً، وهكذا يضيع الورق يا سادة!».
وحتى لا اطيل على سيادتكم نكمل في الحلقة القادمة باقي الرحلة ومن يهتم بالأمر نرجو التعليق بأكمل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى