كتاب وشعراء

حصادُ الغياب.. شعر المبدع: د. عبدالكريم بعلبكي

لم أعد أكرهها
ولا أهواها…
الشوقُ حصدَ أضلعي،
وطوى اسمَها
في ماءٍ يعكسُ وجهًا
لم يعد لي.
كانتِ النارُ تسكنُ دمي،
كلّما أطفأتُ جمرةً
استعارَ الرمادُ أصابعَها،
وكتبَ على جدار الليل
جهةً أخرى للاحتراق.
تركتُ النوافذَ مفتوحةً،
لعلَّ الريحَ تستردُّ خطاها
من ذاكرة الجدار،
من هدير الأنهار،
من رذاذ الأسرار…
من بيتٍ ما زال
يرتدي،
كلَّ ليلة،
غيابَها.
نثرتُ مفاتيحي فوق السرير،
كي لا يعثرَ الليلُ
على بابٍ يؤدّي إليها.
ضاقَ المكانُ،
واتّسعتْ عزلتي؛
فخبّأتُ تحت جلدي
جهاتٍ تائهةً،
وخريطةً محا النسيانُ
آخرَ حدودها.
انحنى القلبُ…
لا ليطرقَ بابًا،
بل ليلتقطَ دمَه
عن أرضٍ
لا تكفُّ عن النزيف.
لم يعد في يديَّ سيفٌ،
ولا في فمي
ما يكفي لإشعال الحبِّ
أو إخماد الحرب.
خمدتِ الجهاتُ في دمي،
وتدلّى العتابُ
كمعطفٍ نسيه الراحلون
على مسمار الغياب.
هي الآنَ
رعشةٌ بلا صوت،
شهقةٌ دون موت،
نافذةٌ عمياء
تطلُّ على داخلي.
كلّما مرَّ طيفُها،
أدرتُ وجهي،
كي لا ترى القصيدةُ
ما تبقّى منّي.
لم أعد أناديها،
ولم أُغلق فمَ القصيدة؛
تركتُها تهذي وحدها
في حضرةِ اسمٍ
لا يجيء.
أيُّ هذا الغياب
الذي ترى فيه الروحُ قبرَها،
ثم تجلسُ قربه
لتؤنسَ وحشتَه؟
لم أعد أكرهها…
لكنَّ قلبي،
كلّما مرَّ اسمُها في دمي،
ضمَّ شظاياه
كأنّه يخشى
أن يتعرّفَ إليه أحد.
حتى تساوى الرحيلُ
والوصول،
وصار الصمتُ
أكثرَ شبهًا بصوتها.
مضتْ روحي…
لا لأعودَ إليها،
ولا لأشفى منها؛
مضتْ،
وبقيتُ أنا
غريبًا في الجهات التي خلّفتها،
أفتّشُ عنّي
في امرأةٍ
لم تعد هنا،
وفي رجلٍ
لم أعدْه أنا.
كانتْ تنبتُ فيَّ،
كلّما أوصدتُ الذاكرة
تفتّحَ في جدار الروح
شقٌّ جديد.
حتى اكتشفتُ، ذاتَ غيابٍ،
أنّني لم أكن أبحثُ عنها…
كنتُ أبحثُ عن الرجلِ
الذي أحبَّها،
فلم أجده.
كان قد رحلَ معها،
منذ المرّة الأولى
التي قالتْ فيها:
“إلى اللقاء”.

كلمات: د. عبد الكريم بعلبكي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى