قراءة تأويلية وجدانية في قصيدة «حينما تشتد العواصف».. للشاعر المصري الكبير: عباس محمود عامر بقلم.. د. مرواني عاشور بن أحمد “الجزائر”

حِينَمَا تَشْتَدُّ الْعَوَاصِفُ
===========
شذرات حرة
————
الشاعر.عباس محمود عامر
“مصر”
حِينَمَا تَشْتَدُّ الْعَوَاصِفُ
فِي ثَغْرِكِ البَاسِمِ
نَامَ الغُبَارُ عَلَى تُفَّاحِ وَجْنَتَيْكِ
رَسَمَ آهَةَ الأَلَمِ
فِي حُرُوفِ لَيْلِكِ القَارِس
تَنْطَفِئُ مَصَابِيحُ سَحْنَتِكِ
وَتَذُوبُ الْمَسَاحِيقُ
وَكُلُّ خَفَايَا الرُّوحِ
فِي دُمُوعِكِ الْمَالِحَة
فِي بُحُورِكِ الْأَمَّارَةِ
وَطِلَاءِ أَظَافِرِكِ الْجَارِحَة
يَبْدُو فِي رُؤْيَاكِ هَاجِسٌ
كَمَالِكِ الْحَزِين
يَبْكِي الْجَفَافَ
فِي شَوَاطِئِ عَيْنَيْكِ النَّاعِسَتَيْنِ
يَنْعِي اصْفِرَارَ النَّهَارِ
ذَعْرٌ يَمَصُّ الدِّمَاءَ
فِي هَوَسٍ ضَرِيرٍ
يُفْزِعُ الطَّيْرَ
فِي قَلْبِكِ الْقَفَصِيِّ
تُغْلِقِينَ الْأَبْوَابَ وَالنَّوَافِذَ
كَيْ تُحْكِمِي قَبْضَتَكِ عَلَى جَنَاحَيْهِ
فَرَّ.. كَطَيْرٍ يُهَاجِرُ
حَطَّمَ رَأْسُكِ الْحَوَائِطَ
تُصْبِحِينَ كَوْمَةً مِنْ حُطَامٍ
فِي مَهَبِّ الرِّيحِ
وَبَعْدَ أَنْ رَحَلَ الْهَاجِسُ عَنْ مَنَامِكِ
تَمْتَمَ النَّبْضُ الدَّفِينُ
مَاذَا فَعَلْتَ بِي يَا مَالِكُ الْحَزِين؟
وَأَيْنَ أَنْتَ يَا طَيْرِي الْبَعِيد؟
*******
قراءة تأويلية وجدانية في القصيدة:
ليست العواصف في هذا النصّ مجرّد اضطرابٍ يعبر سماء امرأة، بل هي انكشافٌ داخليٌّ تتساقط فيه طبقات التجمّل، وتواجه الروح حقيقتها العارية حين تعجز الملامح عن إخفاء ما يعتمل في الأعماق.
يفتتح الشاعر نصّه بمفارقة لافتة: «في ثغرك الباسم نام الغبار»؛ فالابتسامة التي يُفترض أن تكون علامةً للحياة تتحوّل إلى موضعٍ يترسّب عليه التعب. ومن هنا تبدأ رحلة الانطفاء؛ إذ يتراجع بريق الوجنتين، وتذوب المساحيق، لا بوصفها أدوات زينة فحسب، بل بوصفها أقنعةً رمزية تحاول حجب الندوب التي خلّفها الألم.
وفي تقديري، تكمن إحدى أهم دلالات النص في الانتقال من الخارج إلى الداخل؛ من الوجه الذي يراه الآخرون إلى الروح التي لا يعرف أحدٌ مقدار ما تخفيه. فكلما انطفأت المصابيح على السحنة، ازدادت عتمة التجربة النفسية وضوحًا، وكأنّ الحزن لا يكتفي بتغيير ملامح الإنسان، بل يعيد تشكيل علاقته بنفسه وبالعالم.
أما صورة «الطير في قلبك القفصي»، فتشكّل المحور الرمزي الأبرز في القصيدة. فالطير هنا يمكن أن يُقرأ بوصفه الحرية، أو الحب، أو ذلك الجزء النقي من الذات الذي يرفض الأسر. والمفارقة المؤلمة أن المرأة، وهي تحاول إحكام قبضتها على جناحيه، تسهم في رحيله؛ إذ تتحوّل الحماية إلى حصار، والتعلّق إلى قيد، والخوف من الفقد إلى سببٍ من أسباب وقوعه.
وهنا يلامس الشاعر حقيقةً نفسية موجعة: أحيانًا لا نفقد من نحبّ لأن الحب انتهى، بل لأن خوفنا عليه أو خوفنا من رحيله يجعلنا نضيّق المساحة التي يحتاج إليها كي يبقى. غير أنّ هذه القراءة تظل احتمالًا تأويليًا، فالنص لا يمنحنا حكايةً مكتملة عن أسباب الرحيل، بل يتركنا داخل ارتباك الذات وهي تحاول فهم ما حدث.
وتبلغ الصورة ذروتها في قوله: «تصبحين كومةً من حطامٍ في مهبّ الريح»؛ إذ لا تعود العاصفة حدثًا خارجيًا، وإنما تصبح قوةً تعصف بالبنية الداخلية للشخصية. الحطام هنا ليس نهاية الجسد، بل تشتّت المعنى، وانكسار اليقين، وفقدان القدرة على جمع الأجزاء التي كانت تمنح الحياة توازنها.
ثم يأتي الختام محمّلًا بأسئلة الفقد
«ماذا فعلتَ بي يا مالك الحزين؟ وأين أنت يا طيري البعيد؟»
في هذين السؤالين تستعيد الذات صوتها بعد طول الانكسار. لكنها لا تستعيد أجوبةً بقدر ما تستعيد إحساسها بالخسارة. فالنداء الأول يواجه الغائب بما تركه من أثر، والثاني يبحث عن الطير الذي غادر القفص، وربما عن الحرية التي لم تعرف الذات قيمتها إلا بعد أن فقدتها.
ومن الناحية الفنية، يعتمد النص على شبكة من الصور المتداخلة: العاصفة، والغبار، والليل، والدموع، والبحر، والطير، والحطام. وتمنحه هذه الصور مناخًا نفسيًا متوترًا، وإن كان تراكمها في بعض المواضع يجعل الدلالة مزدحمة، ويقلّل أحيانًا من استقلال الصورة وقوتها. كما أن بعض الانتقالات الرمزية تحتاج إلى مزيد من التمهيد، حتى تتماسك الرحلة من انطفاء الملامح إلى هجرة الطير ثم انهيار الذات.
وخلاصة قراءتي: إن قصيدة «حينما تشتد العواصف» ليست حكاية رحيلٍ فحسب، بل تأملٌ في العلاقة الملتبسة بين الحب والخوف، وبين الرغبة في الاحتفاظ بالآخر والحاجة إلى منحه حرية البقاء أو المغادرة. وهي تتركنا أمام سؤال إنساني عميق: هل نستطيع أن نحبّ دون أن نحوّل الحب إلى قفص، وأن نترك للطيور نوافذ مفتوحة دون أن نكفّ عن انتظار عودتها؟
تحية تقدير للشاعر عباس محمود عامر، الذي يفتح بنصّه بابًا للتأمل في هشاشة النفس البشرية، وفي تلك العواصف الصامتة التي لا يسمع هديرها أحد، مع أنها قد تترك في القلب خرابًا أعمق مما تتركه الرياح في المكان.
د. مرواني عاشور بن أحمد
“الجزائر “