الأدب العالمي والأدب الجماهيري: حدود الأدبية وشبكات العبور الثقافي.. بقلم الكاتب: ماجد القيسي

لا تتحدد قيمة العمل الأدبي بانتشاره الجماهيري، كما لا يرتهن عمقه الجمالي بالانحصار في نخبة محدودة من القراء. فالأدب بطبيعته يتحرك بين جذوره المحلية وآفاق إنسانية أوسع، حيث تتشكل دلالاته وتتجدد عبر طرائق القراءة والتأويل المتغيرة. ومن هنا تبرز الحاجة النقدية إلى تمييز الأدب الجماهيري الحديث عن الأدب العالمي، وفهم هذا الأخير بوصفه مساراً متعدداً لا مركزاً ثقافياً واحداً احتكارياً.
يرتبط الأدب الجماهيري الحديث بآليات الإنتاج الرأسمالي والتسويق التجاري؛ إذ يخاطب شرائح واسعة عبر أشكال محددة كأدب الجريمة والرعب والرومانسية والخيال العلمي. ولا يعني هذا الشيوع ضعفاً فنياً بالضرورة، إذ يكمن الرهان النقدي في معايير بناء الشخصيات وتماسك الحبكة وعمق الرؤية، لا في حجم المبيعات مجرداً. وتستدعي المنهجية التمييز بين هذا المنتج الاستهلاكي السريع وبين الأدب الشعبي التراثي (كالسير الشعبية وحكايات ألف ليلة وليلة) الذي نشأ في الذاكرة الجمعية وتناقلته الأجيال شفاهياً قبل أن يُستعاد معاصراً عبر صياغات جديدة.
في المقابل، لا يعني الأدب العالمي مجرد حركة نقل ترجمية من لغة إلى أخرى، بل دخوله في علاقات جديدة مع مجتمعات تلقٍّ مختلفة سياقياً. غير أن هذا العبور لا يتم في فضاء مثالي، فالترجمة تخضع لموازين القوى وسياسات النشر التي ترسمها المؤسسات الغربية، حيث تُنتقى بعض النصوص العربية مثلاً لأنها تلبي تمثلات مستعارة ومسبقة عن الحرب أو التهميش أو الصراع الديني، لا لميزاتها الجمالية المجرّدة.
وهنا يتبدى مفهوم «الأدب العالمي المتعدد» بوصفه تفكيكاً للمركزية الثقافية وتجاوزاً لها؛ فهو لا ينظر إلى العالمية كقائمة مغلقة صاغتها الأكاديميات الغربية، بل كشبكة معقدة تتفاعل فيها التقاليد السردية المتنوعة. ويتجلى هذا التعدد في قدرة النص على تحويل الخصوصية المحلية إلى أسئلة إنسانية عامة؛ إذ تنجح رواية (فرانكشتاين في بغداد) للروائي أحمد سعداوي في عبور الحدود الثقافية، لا بسبب استخدامها حافزة الرعب الساخر فحسب، بل لأنها تُعيد توظيف أسطورة فرانكشتاين الغربية لتشريح أزمات الذاكرة والعنف المحلي في العراق مع البقاء في محيط التجربة الإنسانية المشتركة. وعلى النحو ذاته، أتاح تمثُّل نجيب محفوظ للحارة القاهرية تقديم بنية روائية خاطبت الذائقة العالمية وتوجت بجائزة نوبل عام 1988.
أمّا العصر الرقمي فقد أعاد تشكيل المشهد القرائي والأدبي برُمته؛ إذ أسهمت منصات التواصل الاجتماعي وخوارزميات التوصية في فرض ذائقة قرائية جديدة تُعلي من شأن الإثارة السريعة والانطباعات الخاطفة، مما جعل انتشار النصوص مرهوناً أحياناً بآليات التسويق الرقمي والترويج البصري لا بالقيمة الفنية والعمق الفكري.
أمام هذه التحولات المترابطة، تبرز مسؤولية النقد الأدبي في تجاوز مؤشرات التفاعل السطحية وأرقام المبيعات، ومساءلة القيمة الجمالية في سياقها الثقافي والاجتماعي. إن التمييز الواعي بين الجماهيري والعالمي يُنشئ فهمًا متوازنًا لا يختزل الجودة الأدبية في التسويق التجاري، ولا يحصر العالمية في اعتراف مؤسسي واحد، بل يحتفي بالتجربة الأدبية في تنوعها وثرائها الفني والإنساني.
بقلم: ماجد القيسي