حين تنطق الألوان شعراً.. قراءة في تجليات الخيال والوزن في قصيدة: “نبض الريشة” لنجاح الدروبي.. بقلم الأديب والناقد الكبير: أيمن دراوشة

أولاً: الوزن الموسيقي
بحر البسيط من أعظم بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي. وهو من أكثر البحور التي لها حضور قوي في الشعر العربي. تفعيلاته الأصلية هي: مستفعلن فأعلن مستفعلن فأعلن، في كل شطر. أو ما يوافقه في التقسيم الموسيقي الإيقاعي. هنا الأبيات تمشي بانتظام جميل. مما يمنحها جرساً موسيقياً خفيفاً وسلساً. يبتعد عن رتابة البحور، ويقترب أكثر من روح الغنائية الحديثة.
لم يكن اختيار بحر البسيط عبثًا فموسقاه تنسجم مع روح النص على أكثر من مستوى منها المرونة والحركة، فهذا البحر بالذات فيه امتداد ونفس إيقاعي طويل. مما يسمح بتدفق المعاني دون انقطاع. هذا التدفق انعكس على حركة الألوان والريشة في النص. مثل تغشى الألوان، وتراقص الألوان، وترسم الآمال. فجاءت التفعيلات كأنها خطوات فرشاة منتظمة على قماش اللوحة.
وهناك أيضاً النبرة الطربية المفعمة بالتفاؤل والحيوية، فالنبرة تتطابق تمامًا مع دلالات الأمل والفرح والضوء الذي طرّزت بها الشاعرة أبياتها. مثل ليشرق الفجر، وينتصر الحب… فالإيقاع هنا يدعم الدلالة النفسية للنص القائم على البهجة والإبداع.
وقد ساهمت سلاسة التدوير الموسيقي في الداخل في منح القصيدة إيقاعًا داخلياً تمثّل في الجناس اللفظي الخفيف وكان الأبيات تنبض فعلًا متسقة مع عنوان القصيدة “نبض الريشة”.
ثانياً: الروي والقافية:
التزمت الشاعرة بحرف الراء المضمومة، هذا الروي قد منح إحساساً بالاستمرار والتدفُّق، ويناسب سلاسة الحركة الفنية واللونية.
ثالثاً: الفكرة العامة
تتمحور القصيدة حول إبداع الفن التشكيلي، حيث تمزج الشاعرة بين الشعر والريشة، بين لغة الكلام ولغة الألوان، وتبدو لنا الريشة في النص ككائن حي تنبض بالحياة والعاطفة والفكرة التي تقودها لخلق عوالم من الأمل والجمال.
رابعاً: الصور الفنية
التشخيص والتجسيد: ويبرز ذلك من خلال بث الروح في الجمادات والمجردات. الريشة لها نبض. والألوان تعشق في شغف. والفكرة تنسج روحها. هذا التجسيد يمنح النص حركة بصرية عالية. تشعرنا بأننا أمام لوحة ترسم أمام أعيننا.
التناغم اللوني والضوئي: استخدمت الشاعرة ألفاظاً مرتبطة بالألوان والضوء. مثل: التنور، توهج ، النور، الفجر… وكان حسن الانتقاء هذا أن منح القصيدة إضاءة داخلية يشبه إضاءة اللوحات الفنية الراقية.
خامسًا: البناء اللفظي والإيقاعي
تميزت ألفاظ الشاعرة بالسهولة والبساطة والوضوح بعيدة عن التعقيد اللغوي أو الغموض. فالصور تصل إلى المتلقي بكل سلاسة.
وقد كان لاستخدام الأفعال المضارعة مثل: تقودها، تراقص، ترسم… أن منح النصَّ النص إحساساً بالاستمرار والحركة الدائبة. وكأن عملية الإبداع في تجدُّد دون انقطاع.
سادساً: الإبداع الفني
قوة السبك: التألق الفني يظهر بوضوح في البيت الذي تقول فيه:
وتودع السر في أطراف ريشتها … لتخلقَ السحر لا خوف ولا حذر
فهذا البيت يعبِّر بصدق عن حالة الاندماج الكامل للفنانة مع أداتها. متحرِّرة من أي قيود.
سابعاً: الخاتمة:
وقد جاءت متَّسقة مع الجو العام للنص، ترفع بصر القارئ نحو الآفاق والغيم. لتهب إيحاءً بأنَّ طموح الريشة والإبداع لا سقف لهما.
كلمة أخيرة:
تمثِّل قصيدة نجاح الدروبي “نبض الريشة” لوحة شفافة شعرية، نجحت في نقل نبض الريشة إلى كلمات موسيقية عذبة على بحر البسيط. وأبرزت طاقة الفن والأمل في قهر العتمة وبناء عوالم الجمال.
النص:
شعر / نجاح الدروبي
جميلَةٌ تعشقُ الألوانُ في شَغَفٍ
وتزتَجِي عالماً بالحُسْنِ يَزْدَهِرُ
تقودُها فكرَةٌ مِنْ نَسْجِ رُوحِهَا
والنُّورُ مِنْ ريشةٍ بالنَّبْضِ تنْصَهرُ
وإنْ بكَتْ أطلَقَتْ فَوقَ المَسَاءِ أسًى
وإنْ بسَمَتْ توهَّجَ في محاسِنها الصُّوَرُ
تُراقِصُ الألوانَ في لَوْحاتِها فَرَحًا
فيَنبِثُ الحُبُّ موّارًا ويَنْتَصِرُ
وتَرْسُمُ الآمالَ في آفاقِها ألقًا
ليُشرِقَ الفجْرُ بسّاماً ويَبْتَكِرُ
تمزجُ مِنْ حِسِّهَا العِطْرِيِّ نَفْحَتُهُ
فيُفرَشُ النُّورُ في الدُّنْيا ويَنْتَشِرُ
وتُودِعُ السِّرَّ في أطرافِ ريشتِها
لتَخْلُقَ السَّحْرَ لا خَوْفٌ ولا حَذَرُ
تملي البياضَ سنًا بالعمقِ تَصْنَعُهُ
وتَجْعَلُ الغيْمَ فَوقَ الأُفُقِ يَنْتَشِرُ