
ماذا لو استهدفت إيران كابلات الإنترنت البحرية في مضيق هرمز؟
إيهاب شوقي / مصر
تتطور مع كل عصر أدوات الصراع الدولي وملفاته، ويظل جوهر الصراع واحدًا، وتكاد تكون معسكراته ثابتة، بينما تفرض طبيعة التطور عناوين وملفات مختلفة. ولهذا انتقل صراع النفوذ والمطامع من الموارد البسيطة والمعادن إلى النفط والطاقة، وتطور حاليًا لبلورة ملف حديث، وهو الذكاء الاصطناعي وعناصره ومراكز البيانات الخاصة به.
وقد هددت إيران في حال تجدد العدوان باستهداف كابلات الإنترنت البحرية التي تمر تحت مضيق هرمز، كما هددت باستهداف مراكز البيانات، وهو ما يعني فطنة إيران ووعيها الكامل بعنوان الصراع الدولي.
وهنا نحاول باختصار الإضاءة على ملف مراكز البيانات وأزمتها ولماذا تتجه الاستثمارات بها نحو منطقة الخليج كوجهة مفضلة دوليًّا، ولماذا يعدّ التهديد الإيراني تهديدًا استراتيجيًا رادعًا وخطيرًا.
ما هي مراكز البيانات؟ وما هي أزمتها؟
مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي (AIDC) هي المرافق المادية المتخصصة التي تحتوي على البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها وتوليد محتواها.
ونظرًا لهذا التعقيد، تواجه هذه المراكز أزمة حقيقية بسبب استهلاك كميات هائلة من الكهرباء تعادل ما تحتاجه مئات الآلاف من المنازل لتعمل على مدار الساعة دون توقف.
وهذا النقص، دفع بعض المشغلين للبحث عن حلول طاقة غير تقليدية مثل استخدام محركات الطائرات لتوليد الكهرباء، كما أصبحت منطقة الخليج حلًّا عالميًّا لشركات التكنولوجيا العملاقة بسبب توفر الطاقة ومساحات الصحاري الشاسعة بعيدًا عن العمران الذي يطرد هذه الشركات بسبب أضرارها البيئية.
وتشير تقديرات بنك “مورغان ستانلي” إلى أن الإنفاق العالمي على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي سيصل إلى نحو 3 تريليونات دولار بحلول عام 2029، مقسمة بالتساوي بين بناء المرافق وشراء الأجهزة الباهظة.
الأهمية الاستراتيجية لمراكز البيانات:
تركز مراكز الفكر والدراسات الدولية والإقليمية حاليًّا على أبعاد استراتيجية بالغة الخطورة للتهديدات الإيرانية الأخيرة باستهداف كابلات الإنترنت البحرية، ومراكز البيانات، ومنشآت الذكاء الاصطناعي التابعة للشركات الأميركية في الخليج.
وتصنف هذه المراكز “حرب مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي” في المنطقة كتحول جوهري في الصراع الدولي يقوم على الردع التكنولوجي بديلًا عن النفط، وهو ما اعتبرته مراكز الفكر إدراكًا إيرانيًا للضربة الموجعة لأميركا، عندما يتم استهداف البنية الرقمية التي استثمرت فيها دول الخليج والشركات الأميركية بتريليونات الدولارات.
ونظرًا لأن منطقة الخليج تضم عشرات مراكز البيانات الضخمة التابعة لشركات مثل (Amazon AWS، وMicrosoft، وGoogle)، فإن استهداف هذه المراكز، سواء عسكريًا بمسيرات، أو بقطع الاتصال عنها، سيؤدي إلى شلل فوري في الأنظمة المصرفية، وحركة الطيران، والخدمات السحابية الإقليمية.
وهذا الإجراء الإيراني سيمتد أثره للصراع الدولي، لأنه سيؤدي إلى إضعاف القدرة التنافسية التكنولوجية للولايات المتحدة وحلفائها في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو ما قد يؤثر مباشرة على أسواق المال والأسهم الأميركية.
وبالتالي فإن إيران انتقلت من التهديد بحرب الطاقة التقليدية إلى التهديد بقطع “النظام التشغيلي العالمي للبيانات” وهو ما يضع الشركات التكنولوجية والحكومات الغربية أمام تحدٍ أمني غير مسبوق، حيث لم يعد الصراع عسكريًا على الأرض، بل بات يهدد بفصل قارتي آسيا وأوروبا رقميًا وإحداث ركود اقتصادي عالمي هائل.
الكابلات المارة تحت مضيق هرمز:
وقد هدد الحرس الثوري الإيراني باستهداف كابلات الإنترنت والاتصالات البحرية الرئيسية السبعة التي تمر تحت مضيق هرمز في الخليج، وذلك كخيار للردع والرد بالمثل إذا ما تعرضت البنية التحتية الإيرانية لضربات عسكرية جديدة من قِبل الولايات المتحدة أو “إسرائيل”، كما ألمح المسؤولون الإيرانيون إلى أنهم قد يسعون لمنع وإعاقة عمليات إصلاحها لإطالة أمد الشلل الرقمي.
ويمر عبر مضيق هرمز 7 كابلات اتصالات بحرية عابرة للقارات تُشكل الشريان الرقمي لمنطقة الخليج، وفي حال تنفيذ إيران لتهديداتها وقطع هذه الكابلات مجتمعة، ستكون التداعيات شديدة محليًا وإقليميًا، وتتلخص في الآتي:
أولًا: شلل في القطاع المالي والمصرفي الإقليمي، حيث تعتمد بورصات دول الخليج والبنوك بشكل قطعي على نقل البيانات فائق السرعة، وبالتالي سيعيق قطع الكابلات التحويلات المالية الدولية، ويعطل المعاملات البنكية اليومية ونظام “سويفت”، بالإضافة إلى توقف عمليات الدفع الإلكتروني والتجارة الرقمية.
ثانيًا: انقطاع واسع النطاق وبطء شديد للإنترنت، وخاصة في دول الخليج التي تعتمد بنسبة تزيد عن 97% على هذه الكابلات لتسيير بياناتها.
ثالثًا: تأثر طموحات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، حيث تستثمر دول الخليج بكثافة في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي بالتعاون مع شركات التقنية الأميركية العملاقة، وقطع هذه الشرايين الرقمية سيعزل تلك المراكز السحابية الحساسة ويوقف خدماتها.
رابعًا: خسائر مالية بالمليارات، حيث تُقدر أبحاث استراتيجية أن أعمال التجارة الرقمية وعقود النفط والغاز المعرضة للخطر قد تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات، مع خسائر مباشرة يومية بمئات الملايين من الدولارات نتيجة تعطل الأعمال الرقمية.
والخلاصة، أن إيران وجبهات المقاومة تعي جيدًا أبجديات الصراع الدولي ووسائل الردع وإيلام العدو وذيوله والمتواطئين معه. ورغم أن المقاومة ثقافة حياة وتعاون وسلام وتطوير وتقدم، إلا أنها لن تسمح للعدو والمتواطئين معه باستخدام التطور في النهب والهيمنة وتوظيف التكنولوجيا في القتل والحروب وإنفاق الشركات العملاقة أموالها على الكيان الصهيوني وحروبه وتنمية موارد دول تحاصر المقاومة وتستهدفها وتوفر القواعد العسكرية لتصفيتها.
🖊 ايهاب شوقي