
نادى الحاجب باسمي، وقفت أمام القاضي، لكن المفاجأة أنني كنت القاضي والمتهم معًا…
ساد الصمت، ثم نهض صوتٌ من أعماقي يتلو التهمة: «أنتِ متهمةٌ بقتل أشياءَ كانت تستحق الحياة؛ أحلامٍ أخّرتِها حتى ماتت في الانتظار، وفرصٍ أغلقتِ أبوابها خوفًا من الفشل، ونسخةٍ من نفسكِ كان يمكن أن تكون أكثر شجاعةً لو أنكِ منحتِها فرصة».
رفعتُ رأسي، وحاولتُ الدفاع عن نفسي.
قلتُ: لم أكن جبانة، كنتُ أخشى الخسارة. لم أتخلَّ عن أحلامي، بل أثقلتني الطرق المؤدية إليها. لم أصمت لأنني لا أملك ما أقوله، بل لأنني تعبتُ من شرح ما لا يفهمه أحد. أليس للمرء حقٌّ في أن يضعف؟ أليس من العدل أن يُحاسَب الإنسان على قدر ما امتلك من قوة، لا على قدر ما عجز عن احتماله؟
لكن القاضي لم يُبدِ تعاطفًا، وسألني: «وما ذنب الذين خذلتِهم حين جعلتِ خوفكِ عذرًا؟ وما ذنب أحلامكِ التي حكمتِ عليها بالفشل قبل أن تُختبَر؟ ومن أعطاكِ الحق في أن تعاقبي نفسكِ على احتمالاتٍ لم تحدث، ثم تسمّي عقابكِ حكمة؟»
عندها انطفأت حججي.
أدركتُ أنني لم أكن ضحية الظروف وحدها، بل كنتُ أحيانًا شريكتها في هزيمتي. كنتُ أطلب من العالم أن يفهم خوفي، بينما لم أحاول يومًا أن أفهم كم كلّفني ذلك الخوف. وكنتُ أعاتب الزمن على ما أخذ، متناسيةً أنني تركتُ بعض الأشياء تسقط من يديّ دون أن أحاول الإمساك بها.
طال الصمت، ثم سألتُ القاضي: «ألن تمنحني عذرًا واحدًا؟»
فأجابني: «لقد منحتِ نفسكِ أعذارًا كثيرة، حتى كادت الحقيقة تفقد صوتها. لكنني لا أحاكمكِ لأنكِ أخطأتِ؛ بل لأنكِ جعلتِ الخطأ وطنًا، والندمَ إقامةً دائمة».
أنزلتُ رأسي، ونطقتُ بالحكم الأخير:
تُدان المتهمة، لا لتُعاقَب إلى الأبد، بل لتتحمّل مسؤولية ما تبقّى من عمرها. وتُمنح فرصةً أخيرة، بشرط ألّا تستخدم خوفها عذرًا جديدًا، ولا تجعل من ماضيها قيدًا لمستقبلها.
رفعتُ الجلسة، لكنني لم أغادر القاعة.
فللمرة الأولى، فهمتُ أن العدالة ليست أن أبرّئ نفسي من كل ذنب، ولا أن أحمّلها ذنوب العالم؛ بل أن أعترف بما فعلت، وأصلح ما أستطيع، وأكفّ عن معاقبة الإنسان الذي كنته، كي أمنح الإنسان الذي سأكونه فرصةً للنجاة.
ـ الكاتبة هبه أنس
ـ العراق