كتاب وشعراء

تحليل نقدي لقصيدة “لا تقتربي” للشاعر المصري الكبير: أشرف ياسين شبانة.. بقلم الأديبة: نجاح الدروبي

قصيدة
لا تَقَتَرِبِيْ
شعر: أشرف ياسين شبانة

لا تَقَتَرِبِيْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكْ
طَاغٍ حُسْنُكْ!
لَمْ أَرَ قَطّ مِثَالَكْ!
حِيْنَ دَخَلْتِ..
مِنْ هَذَاْ البَابِ،
بِأَنَاقَتِكِ، بعِطْرِكِ،بِاخْتِيَالِكْ
أَيْقَنْتُ أَنِّيْ لَاْ قِبَلَ لِيْ بِكِ،
وَأَنِّيْ دُوْنَمَا احْتِمَالكْ
دَعِيْنِيْ فِيْ مَدَاْرِيْ
وَدُوْرِيْ أَنْتِ فِيْ مدَارِكْ
إِنَّا إنْ تَوَقَّفْنَاْ،
تَقلّ الفِيزيَاءُ حَتْمَاً؛
سَأَنْجَذِبُ إِلَىٰ مَجَاْلِكْ
ابْتَعِدِيْ.. وَلَو قَلِيْلَاً،
أو اِبْقَي هُنَا مَكَانكْ
سَأَجْلِسُ أَنَا بَعِيْدَاً هُنَالِكْ
لِتَكُنْ بَيْنَنَا مِنْطَقَةٌ مُحَايِدَةٌ
وَنَرسمُ حَدَّاً فَاصِلاً،
كَمَا تَقُوْلُ الجُغْرَافيَا
وَاسحَبِيِ عَنِّيْ أَرتَالَكْ؛
فَأَنَاَ لَاْ أَقْوَىٰ..
عَلَىٰ مُقَاوَمَةِ اِحْتِلَاْلِكْ
فَيَضَاْنٌ مِنَ الأنُوْثَةِ أَنْتِ،
وَسِحرُكِ فَاْتِكْ
شَقِيٌّ مَنْ تَعَلَّقَ بِحِبَاْلِكْ
مَنْ أَمْسَىٰ يَنْتَظِرُ هِلَاْلَكْ
مَنْ تَرَدَّىٰ بَيْنَ أُفُولكِ،
وَإِطلَاْلكْ
لا تَسْألِيْنِيْ عَمَّاْ أَشْعرُ بِهِ
فَلَا جَوَابَ لَدَيّ عَلَىٰ سُؤَالِكْ
لَاْ تَأَبَهِيْ لِأَمْرِي،
لَاْ تَشْغَلِيْ بَاْلَكْ
مُرْتَبِكٌ أَنَا؟!.. نَعَمْ
و متوترٌ ..!،
وَأَنْتِ فِيْ قِمَّةِ اعتِدَالِكْ
تتصرفين بثقةٍ و أناةٍ ،
تعرفين تأثيركِ جيداً
وَغَايَةٌ أنْتِ فِيْ اتِّزَانِكْ
سَيِّدَتِيْ..!
إِنْ سَوَّلَتْ لَكِ نَفْسُكِ؛
فَلسْتُ أَنَاْ..
الَّذِيْ فِيْ خَيَالِكْ
لِمِثْلِكِ جُعِلَ الحَرَمْلِكُ،
وَهَلْ صُنِعَتِ اليَشَامِكُ..
إِلَّاْ لِأَمْثَالِكْ !؟
نَعَمْ، الآن.. أنَا رَجْعِيُّ!
فَمِنَ الظُلْمِ..
أَنْ تَعتَدِي عَلَيْنَا بِجَمَاْلِكْ!
يَتَسَاقَطُ الكثِيْرُوْنَ..
تَحتَ أَقْدَامِكْ
وَأنَا لا مَحَالةَ.. هَالِكْ
شَيْطَانِي عَبقَرِيٌ!
وَصَوْتُك أكْثَرُ عبقريةٍ !
فَلا تَقُولِي شَيْئَاً؛
وَانْصَرِفِي فِي صَمْتٍ..
لحَالِكْ !.

#ashraf_shabana

التحليل النقدي

في قصيدة إبداعية من أجمل القصائد التي صيغت وجدانياً وعاطفياً، يعتمد الشاعر المصري أشرف ياسين شبانة على نظام التفعيلة متفاوتة الأسطر في نسج خيوط قصة شعرية درامية تتدفق بإيقاع حركي حيوي؛ وهو ما يناسب الحالة النفسية العميقة التي يعيشها المتحدث. وتبدأ هذه الحالة من عبارة “لا تقتربي مني” للدلالة الصريحة على النهي الحقيقي، ومحاولة اتخاذ موقف دفاعي لحماية النفس من التأثير الساحر للأنثى، واعترافاً بسطوة جمالها الطاغي. ثم يأتي وصف حضورها بـ “الأرتال العسكرية المتتالية”، أي بمثابة قوة غاشمة تفرض سيطرتها، لذا يعكس رغبته الداخلية في الحفاظ على توازنه فيقول:
“ابتعدي.. ولو قليلاً
أو ابقي هنا مكانك”
وهي حيلة دفاعية تعكس مفارقة الطلب والامتناع من احتلال الجمال، ممزوجة بمصطلحات الفيزياء والجغرافيا والسياسة، إضافة إلى ارتداد الشاعر إلى الموروث القيمي والأخلاقي الأصيل الذي تربى عليه؛ لتحصين نفسه المتوترة والمرتبكة أمام أنوثة متزنة واثقة من امتلاكها أدوات الجمال التي تزودها بالغزو العاطفي الشيطاني والصوت الأكثر قوة وإغواءً، مما يدل على مفارقة ابتكارية بينهما:
“في قمة اعتدالكِ
تتصرفين بثقة
وغاية أنتِ في اتزانكِ
سيدتي
إن سوّلت لكِ نفسكِ
فلستُ أنا
الذي في خيالكِ”
هذه العبارات الواضحة تعكس براعة تصويرية حركية مرنة تتسم بالعفوية المحببة إلى وجدان القارئ، والتي تخرج كلياً عن الصياغة التقليدية للغزل، كونها لا تشبه أسلوب أحد من الأقلام الشعرية؛ لأنها ذات خيوط درامية ممزوجة بروح الدعابة والسخرية العميقة، والبصمة الخاصة في الرؤية والمعجم اللغوي الممتزج بالأصالة والمعاصرة والغني بالمفارقات البلاغية الخادمة لفكرة المغناطيسية الفيزيائية للمرأة، كالاستعارة المكنية في صورة: “سأنجذب إلى مجالك” حيث شبّه الشاعر نفسه بالجرم المنجذب لجمالها.
وقوله: “واسحبي عني أرتالك” أي أن جمال المرأة يشبه الأرتال العسكرية التي تحتل قلبه سطوة وقوة. كذلك صورة: “نرسم حداً فاصلاً كما تقول الجغرافيا” هي توظيف للمصطلح الجيوسياسي عن ترسيم الحدود بين طرفين لوضع مسافة أمان نفسية وعاطفية. إضافة إلى التشبيه البليغ الذي يبرز تدفق طوفانٍ من جمال المرأة، والاستعارة التصريحية التي تشبّه حبال الفتنة بالمشنقة، ووجهها بإطلالة الهلال، وهي صورة مستمدة من التراث الشعبي.
كما تظهر المحسنات البديعية المجسدة للمفارقة عندما يصور المتحدث حيرته بين بقائها وذهابها في “أفولك وإطلالك”، وكذلك التضاد والمفارقة اللذان يرسمان الفجوة النفسية بين الارتباك والاتزان: “مرتبكٌ أنا… وأنتِ في قمة اتزانكِ”.
أخيراً، تمتاز القصيدة بوحدة عضوية متماسكة وكثيفة، إضافة إلى وحدة القافية في أواخر الأسطر، كما يخلق تكرار بعض الكلمات إيقاعاً موسيقياً شيقاً وممتعاً في أذن القارئ لا ينتهي بنهاية السطر الشعري بل بتدوير إيقاعي ومعنوي؛ حيث تتدفق الجملة الموسيقية والنحوية متسارعة عبر أسطر عدة، إلى جانب الطباق والتناظر التركيبي والتوازي الصوتي الذي يخلق إيقاعاً داخلياً حركياً كموجات البحر في مدها وجزرها:
“مرتبكٌ أنا؟! نعم/ ومتوتر”
فالموسيقى تقوى وتشتد كلما اقتربت الأنثى، وتبطئ وتهدأ كلما تناول علوم الجغرافيا والفيزياء والمناطق المحايدة لتمدَّ القصيدة بألوان العذوبة والجمال والهدوء النفسي.

بقلم الأديبة: نجاح الدروبي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى