قراءةٌ نقديّةٌ في قصيدةِ “نافذةُ عينيكِ” للأديبِ القديرِ: قصي الفضلي.. بقلم الناقدة: ليلى صليبي

القراءةُ النقديةُ بقلم الناقدة اللبنانية: ليلى صليبي
المرحلةُ الأولى:
1- العنوان: «نافذةُ عينيكِ»… العينُ بوّابةُ النجاةِ ومأزقُ البوحِ.
يختارُ الشاعرُ المبدعُ “قصي الفضلي” عنوانًا ينهضُ على تداخلٍ دلاليٍّ بينَ النافذةِ والعينِ؛ فالنافذةُ في بعدِها المادّيِّ منفذٌ يتيحُ العبورَ من حيّزٍ مغلقٍ إلى فضاءٍ أرحبَ، أمّا العينُ فتتجاوزُ وظيفتَها البصريّةَ لتغدوَ مساحةً للكشفِ، ومستودعاً للأسرارِ، ومرآةً لما يعجزُ اللسانُ عن الإفصاحِ عنه. وحين يضيفُ الشاعرُ النافذةَ إلى العينين، فإنّه لا يكتفي بتصويرِ جمالِ المحبوبةِ، بل يجعلُ النظرَ إليها فعلاً يتجاوزُ الرؤيةَ إلى احتمالِ الخلاصِ من العزلةِ.
غيرَ أنَّ المفارقةَ تكمنُ في أنّ هذه النافذةَ، التي يُفترضُ أن تفتحَ الطريقَ، لا تمنحُ العاشقَ عبورًا سهلاً؛ إذ تتحوّلُ لاحقاً إلى موضعٍ للارتباكِ والتردّدِ، وتصبحُ العينان فضاءً تتراكمُ فيه الحواجزُ النفسيّةُ. وهكذا يختزنُ العنوانُ منذُ البدايةِ توتّرَ القصيدةِ بينَ الرّغبةِ في الاقترابِ والخوفِ من الاعترافِ، وبين الأملِ في الوصولِ والعجزِ عن اجتيازِ المسافةِ العاطفيّةِ.
2- الحقولُ المغلقةُ والربيعُ المؤجَّلُ: مفارقةُ الانطفاءِ والتجدّدِ.
يفتتحُ الشاعرُ نصَّه بقولِه:
«كلُّ الحقولِ حينَ تُغلقُ ربيعها
تفتحُ عيناكِ نافذةً للهدوءِ اللّانهائيّ…»
تقومُ الصورةُ على مفارقةٍ دلاليّةٍ لافتةٍ؛ فالحقولُ، وهي رمزُ الخصوبةِ والامتدادِ والحياةِ، تُسندُ إليها حركةُ الإغلاقِ، بينما تُسندُ إلى العينين حركةُ الفتحِ. إنّ الربيعَ، الذي يُنتظرُ منه أن يفيضَ بالحياةِ، يبدو هنا قابلاً للانحسارِ ،لكنَّ انحسارَه لا يعني نهايةَ الجمالِ، لأنّ عينيْ المحبوبةِ تستعيدان وظيفةَ الربيعِ في هيئةٍ أخرى: نافذةً على سكينةٍ لا تحدُّها نهايةٌ.
ويمنحُ الفعلُ «تُغلقُ» الحقولَ هيئةَ كائنٍ يطوي موسمَه، فيما ينهضُ الفعلُ «تفتحُ» بوظيفةٍ مضادّةٍ، فيقيمُ حركةً من الانغلاقِ إلى الانكشافِ. وبين الفعلين تتشكّلُ نواةُ التجربةِ الشعريّةِ: العالمُ الخارجيُّ قد يستنفدُ مواسمَه، لكنّ الحبيبةَ تظلُّ قادرةً على إعادةِ ترتيبِ الداخلِ الإنسانيِّ.
أمّا وصفُ الهدوءِ بأنّه «لانهائيّ»، فينقلُ الصورةَ من حدودِ الطبيعةِ المحسوسةِ إلى أفقٍ نفسيٍّ وروحيٍّ مفتوحٍ. فالهدوءُ هنا ليس مجرّدَ غيابٍ للضجيجِ، بل توقٌ إلى سلامٍ يفتقدُه المتكلّمُ في أعماقِه، ويأملُ أن يجدَه في عينيِّ المرأةِ.
ومن ثمَّ ،لا تبدو المحبوبةُ مجرّدَ موضوعٍ للغزلِ، بل تتحوّلُ إلى ملاذٍ وجوديٍّ يواجهُ به الشاعرُ تقلّباتِ العالمِ وانطفاءِ مواسمِه.
3- ازدحامُ الفكرِ وتعذّرُ الرسالةِ: حين يسبقُ الشعورُ اللغةَ.
يقولُ الشاعرُ:
«تتراقص حول رأسي أفكارٌ وأفكار
هل أبعثُ إليكِ رسائلَ
تنهضُ كلماتُها
حين تهدأُ على شفتيكِ
كما يهدأُ الفجرُ
على أغصانِ السماء!»
تكشفُ عبارةُ «أفكارٌ وأفكارٌ» عن حالةٍ من التزاحمِ الذهنيّ؛ فالتكرارُ لا يقدّمُ معلومةً جديدةً بقدرِ ما يجسّدُ حركةَ العقلِ المضطربِ، الذي يدورُ حولَ الرّغبةِ نفسِها من غيرِ أن يحسمَ أمرَه. ويعزّزُ فعلَ «تتراقصُ» هذا الاضطرابُ، إذ يمنحُ الأفكارَ حركةً متقلّبةً توحي بأنّها لا تستقرُّ على قرارٍ.
ثمّ ينتقلُ الشاعرُ من ضجيجِ الدّاخلِ إلى سؤالِ البوحِ: «هل أبعثُ إليكِ رسائلَ؟». غيرَ أنّ الرسائلَ لا تظهرُ بوصفِها وسيلةً عاديّةً للتواصلِ، بل كائناتٌ تنتظرُ لحظةَ انبعاثِها؛ فكلماتُها «تنهضُ» حين تستقرُّ على شفتي المحبوبةِ. وفي هذا الإسنادِ استعارةٌ تجعلُ اللغةَ حيّةً، كأنّها لا تُكتسبُ تمامَ حضورِها إلّا حينَ تلامسُ صوتَ المرأةِ أو صمتِها.
وتبلغ الصورةُ شفافيّتَها في التشبيهِ:
«كما يهدأُ الفجرُ
على أغصانِ السماء»
فالفجرُ، في صورتِه المعتادةِ، يرتبطُ بالحركةِ والانكشافِ، لكنّ الشاعرَ يختارُ له فعلَ الهدوءِ، فيحوّلُ لحظةَ الضوءِ إلى مشهدٍ من السكينةِ الرقيقةِ. كما أنّ إسنادَ الأغصانِ إلى السماءِ يمدُّ الطبيعةَ بملامحَ شجريّةٍ، فيتّسعُ المشهدُ من الشفاهِ إلى الكونِ، ومن الرسالةِ الشخصيّةِ إلى فضاءٍ كونيٍّ تتآلفُ فيه اللغةُ والطبيعةُ والعاطفةُ.
ومع ذلك، يبقى السؤالُ معلّقاً؛ فالشاعرُ لا يقولُ إنّه أرسلَ الرسائلَ بالفعلِ، بل يقفُ عندَ عتبةِ الاحتمالِ. وهنا تتجلّى إحدى مفارقاتِ النصِّ: إنّ العاطفةَ غزيرةٌ إلى حدّ أنّها تملأ الرأسَ بالأفكارِ، لكنّها متردّدةٌ إلى حدّ أنّها لا تستطيعُ أن تمنحَ نفسَها شكلاً نهائيَّاً من أشكالِ البوحِ.
خلاصةُ المرحلةِ الأولى: يؤسّسُ الشاعرُ عالمَه من مفارقةِ الانغلاقِ والانفتاحِ، ثمّ ينقلُنا من سكينةِ العينيْنِ إلى اضطرابِ العقلِ، حيثُ تتقدّمُ الرغبةُ في الاعترافِ على القدرةِ على تنفيذِه. وهكذا تصبحُ النافذةُ منذُ البدايةِ وعدًا بالخلاصِ، لكنَّ العبورَ منها يظلُّ مؤجّلاً.
المرحلةُ الثانيةُ:
4- قطارُ الوقتِ: الخوفُ من فواتِ اللحظةِ.
يقولُ الشاعرُ:
«أم أبقى في الظلِّ
حتّى يعبرني قطارُ الوقتِ
فيهبطُ متعباً صوتي
قبل أن ينطقَ (أحبّكِ)»
ينقلُنا الشاعرُ هنا من التردّدِ في إرسالِ الرسائلِ إلى صورةٍ أكثرَ كثافةً في التعبيرِ عن القلقِ الوجوديّ؛ إذ يصبحُ الوقتُ قطاراُ يعبرُ، بينما يبقى العاشقُ في الظلِّ، عاجزًا عن اللحاقِ بلحظتِه العاطفيّةِ. ولا تكمنُ المفارقةُ في سرعةِ الزمنِ وحدَها، بل في أنّ المتكلّمَ لا يكتفي بمشاهدةِ القطارِ وهو يمضي، وإنّما يسمحُ له بأن «يعبرَه»، وكأنّه هو نفسُه محطّةٌ مهجورةٌ على سكّةِ الانتظارِ.
إنّ صورةَ القطارِ تستدعي الحركةَ والتقدّمَ وعدمَ إمكانيّةِ استعادةِ اللحظةِ الفائتةِ، في مقابلِ ثباتِ العاشقِ في منطقةِ التردّدِ. وبذلك تتجسّدُ المسافةُ بين زمنيْنِ: زمنِ العالمِ الذي لا يتوقّفُ، وزمنِ الذاتِ التي تعلّقُ حياتَها على شجاعةٍ لم تكتملْ بعد.
أمّا «الظلُّ»، فيحملُ دلالةً نفسيّةً تتجاوزُ العتمةَ البصريّةَ؛ إنّه الحيّزُ الذي يختبئُ فيه الخائفُ من انكشافِ مشاعرِه، حيث يبدو الصمتُ أكثرَ أمانًا من المجازفةِ بالاعترافِ، وإن كان هذا الأمانُ نفسُه يهدّدُ بتحويلِ الحبِّ إلى فرصةٍ ضائعةٍ.
وتأتي العبارةُ «فيهبطُ متعباً صوتي» لتمنحَ الصوتَ هيئةَ كائنٍ استنزفَه الانتظارُ قبلَ أن يؤدّيَ وظيفتَه. فالتعبُ يسبقُ النطقَ، والإنهاكُ يسبقُ الفعلَ، وكأنَّ الاعترافَ يستهلكُ طاقةَ العاشقِ قبلَ أن يتحوّلَ إلى كلمةٍ.
وتزدادُ المفارقةُ إيلاماً حين يحدّدُ الشاعرُ الكلمةَ المؤجّلةَ: «أحبّكِ». فهذه الكلمةُ، على بساطتِها اللّغويّةِ، تصبحُ عبئاً نفسيّاً هائلاً؛ لأنّها ليستْ مجرّدَ تصريحٍ بالعاطفةِ، بل انتقالٌ من الدّاخلِ المستورِ إلى الخارجِ المكشوفِ، ومن الاحتمالِ إلى المواجهةِ.
5- جبالُ الثلجِ في العينين: جمالٌ يربكُ ولا يُطمئنُ.
يقولُ الشاعرُ:
«ثمّةَ جبالُ ثلجٍ
في نافذةِ عينيكِ تربكني
فماذا أفعل!!»
هنا تتبدّلُ طبيعةُ النافذةِ؛ فبعدَ أن كانتْ منفذاً إلى الهدوءِ اللامتناهي، يظهرُ في داخلِها مشهدٌ جليديٌّ يربكُ العاشقَ. وتنبعُ قوّةُ الصورةِ من هذا التناقضِ بين دلالةِ النافذةِ بوصفِها مجالاً للانفتاحِ، ودلالةِ الجبالِ الثلجيّةِ باعتبارِها عوائقَ توحي بالبرودةِ والارتفاعِ وصعوبةِ الاجتيازِ.
ولا يقدّمُ الشاعرُ الثلجَ على هيئةِ طبقةٍ عابرةٍ، بل يختارُ «الجبالَ»، بما تحملُه من ضخامةٍ وامتدادٍ وعلوٍّ. وكأنَّ ما يعترضُ طريقَ العاشقِ ليس تفصيلاً صغيراً يمكنُ تجاوزُه، بل حاجزٌ تتضخّمُ أمامَه المخاوفُ، ويصبحُ الاقترابُ منه امتحاناً للقدرةِ على الاحتمالِ.
وقد تكونُ هذه الجبالُ صورةً لما يتخيّلُه العاشقُ من مسافةٍ عاطفيّةٍ، أو لما يقرؤُه في عيني المحبوبةِ من غموضٍ لا يستطيعُ فكَّ شفرتِه. والنصُّ لا يحسمُ أيّ الاحتمالين، وهو ما يتيحُ للصورةِ أن تحتفظَ بتعدّدِها التأويليّ.
ومن المهمِّ هنا ألّا نساويَ بين الثلجِ والقسوةِ بصورةٍ قطعيّةٍ؛ فقد يكونُ الثلج ُرمزًا للبرودِ الذي يخشاه المتكلّمُ، وقد يكونُ أيضاً تجسيداً لرهبةِ الجمالِ حين يبدو عصيًّا على الاقترابِ. فالمشكلةُ ليست بالضرورةِ في المرأةِ نفسِها، بل في العلاقةِ بين حضورِها المربكِ وخوفِ العاشقِ أمامَ احتمالِ الرفضِ أو الخيبةِ.
ويأتي السؤالُ «فماذا أفعلُ؟» ليكشفَ انكسارَ القدرةِ على المناورةِ. فبعد الصورِ الممتدّةِ والأسئلةِ المتردّدةِ، يصلُ الصوتُ إلى لحظةٍ يعترفُ فيها بالعجزِ عن إيجادِ مخرج. إنّه سؤالٌ لا يطلبُ حلاً عملياً فحسب، بل يستنجدُ بوجودٍ آخرَ يخفّفُ وطأةَ الحيرةِ.
6- دفنُ الصوتِ في رمالِ العينيْنِ: استسلامٌ يتكرّرُ.
يتابعُ الشاعرُ:
«ربّما اعتدتُ دفنَ صوتي
عند اللحظة الأخيرةِ
في رمالِ عينيكِ
واعتدتُ رميَ كلِّ شيء
حياتي… همساتي.. أمنياتي
في خضمِّ التنهدات!!!!»
تشكّلُ هذه الأبياتُ منعطفاً نفسيَّاً مهمَّاً في القصيدةِ؛ فالمتكلّمُ لا يعودُ يصفُ تردّداً طارئاً، بل يتحدّثُ عن عادةٍ متجذّرةٍ، كما توحي كلمةُ «اعتدتُ». وبذلك يتحوّلُ العجزُ عن البوحِ من حادثةٍ ظرفيّةٍ إلى نمطٍ يتكرّرُ كلّما اقتربتْ لحظةُ الحسمِ.
ويحملُ فعلُ «دفن» شحنةً دلاليّةً ثقيلةً؛ فالصوتُ، الذي يُفترضُ أن يُطلقَ ويُسمعَ، يُوارى في الترابِ، وكأنَّ العاشقَ يمارسُ على مشاعرِه فعلَ إلغاءٍ رمزيًّا. ولا يعودُ الصمتُ هنا غيابًا للكلامِ، بل يصبحُ فعلًا يشاركُ فيه المتكلّمُ بنفسِه، إذ يدفنُ ما كانَ ينبغي أن يمنحَه الحياةَ.
أمّا «رمالُ عينيكِ»، فتشكّلُ صورةً مركّبةً تجمعُ بين العينِ، بوصفِها فضاءً عاطفيًّا، والرمالِ، بما توحي به من قابليّةٍ للابتلاعِ والتبعثرِ وتغيّرِ الملامحِ. وإذا كانتِ النافذةُ تَعِدُ بالعبورِ، فإنَّ الرمالَ تجعلُ هذا العبورَ مهدّداً بالضياعِ؛ فالصوتُ لا يجدُ طريقَه إلى الخارجِ، بل يختفي في الدّاخلِ الذي يتمنّى الوصولَ إليه.
وتتّسعُ دائرةُ الخسارةِ في قولِه: «حياتي… همساتي… أمنياتي». فالتدرّجُ من الحياةِ إلى الهمساتِ ثمّ الأمنياتِ يفتحُ المشهدَ على مستوياتٍ متعدّدةٍ من الذاتِ: وجودِها الكاملِ، وتعبيرِها الحميمِ، وآمالِها المؤجّلةِ. وكأنّ العاشقَ لا يدفنُ كلمةَ الحبِّّ وحدَها، بل يسلّمُ معها أجزاءً متتابعةً من حياتِه.
أمّا «خضمّ التنهدات»، فيجمعُ بين الإيحاءِ بالعمقِ والاضطرابِ، وبين دلالةِ التنهداتِ بوصفِها بديلًا من الكلامِ. فحينَ يعجزُ اللسانُ عن الاعترافِ، يتولّى الجسدُ التعبيرَ عن العبءِ النفسيِّ من خلالِ الزفراتِ. وتغدو التنهداتُ لغةً بديلةً، لكنّها لغةٌ لا تبلغُ بالضرورةِ الطرفَ الآخرَ، ولا تحقّقُ التواصلَ الذي يتوقُ إليه المتكلّمُ.
ويمكنُ تسجيلُ ملاحظةٍ أسلوبيّةٍ هنا: إنّ تكرارَ علاماتِ التعجّبِ وكثافتِها الكتابيّةِ يصرّحُ بالانفعالِ مباشرةً، في حين أنّ الصورَ السابقةَ قادرةٌ بذاتِها على حملِ كثيرٍ من هذا الانفعالِ. وربّما كانَ الاكتفاءُ بعلامةٍ واحدةٍ، أو تركُ الصورةِ تنهي المقطعَ، أكثرَ انسجاماً مع الاقتصادِ التعبيريّ الذي تتطلّبُه هذه اللحظةُ.
خلاصةُ المرحلةِ الثانيةِ: تتصاعدُ الأزمةُ من الخوفِ من فواتِ الزمنِ إلى الارتهانِ لجبالِ الثلجِ، ثمّ إلى دفنِ الصوتِ وتبديدِ الأمنياتِ. وهكذا لا يعودُ الصمتُ مجرّدَ تردّدٍ في الاعترافِ، بل يتحوّلُ إلى قوّةٍ تستنزفُ الذاتَ وتدفعُها إلى خسارةِ ما تحاولُ حمايتَه.
المرحلةُ الثالثةُ:
7- الاستغاثةُ بالمحبوبةِ: من انتظارِ المبادرةِ إلى طلبِ النجاةِ.
يقولُ الشاعرُ:
«ساعديني على اللجوء إليكِ
وشجّعي صوتي على الهروب منّي»
في هذيْنِ السطريْنِ تبلغُ القصيدةُ ذروةً نفسيّةً تكشفُ تحوّلاً جوهريَّاً في موقفِ المتكلّمِ. فبعدَ أن كانَ أسيرَ أسئلتِه وتردّدِه، ينتقلُ إلى طلبِ المساعدةِ، وكأنَّه أدركَ أنَّ الإرادةَ وحدَها لا تكفي دائماً لتحريرِه من مخاوفِه.
وتستوقفُنا عبارةُ «اللجوء إليكِ»؛ فاللجوءُ في دلالتِه الإنسانيّةِ يتضمّنُ البحثَ عن الحمايةِ عند الخوفِ أو العجزِ، وهو هنا لا يتّجهُ إلى مكانٍ جغرافيٍّ، بل إلى امرأةٍ يتخيّلُ فيها العاشقُ ملاذًا من اضطرابِه الداخليّ. غيرَ أنَّ العبارةَ تنطوي على مفارقةٍ دقيقةٍ: كيفَ يطلبُ المتكلّمُ اللجوءَ إلى الشخصِ نفسِه الذي يربكُه حضورُه، ويضعُ أمامَه جبالًا من الثلجِ؟
إنّ هذه المفارقةَ لا تُضعفُ التجربة َ، بل تمنحُها صدقًا نفسيَّاً؛ فالمحبوبةُ هي موضعُ الخوفِ وغايةُ الأمانِ في آنٍ واحدٍ، لأنَّ الاقترابَ منها يستدعي مواجهةَ احتمالِ الرفضِ، بينما يظلُّ الابتعادُ عنها مصدراً للألمِ والحرمانِ.
وتبلغُ الصورةُ درجةً لافتةً من الابتكارِ في قولِه: «وشجّعي صوتي على الهروبِ منّي». فالصوتُ، الذي كانَ مدفونًا في رمالِ العينين، يصبحُ كائنًا يحتاجُ إلى التشجيعِ كي يتحرّرَ من صاحبِه. وهذا الانفصالُ المجازيّ بين المتكلّمِ وصوتِه يكشفُ انقسامَ الذاتِ على نفسِها؛ إذ يريدُ الإنسانُ أن يبوحَ، لكنّ خوفَه الداخليَّ يحاصرُه ويمنعُه.
إنَّ الصوتَ هنا ليس أداةً محايدةً للنطقِ، بل صورةٌ للإرادةِ العاطفيّةِ حين تُسلبُ قدرتُها على الفعلِ. وطلبُ تشجيعِه يعني أنّ العاشقَ لا ينتظرُ من المرأةِ أن تبادلَه الحبَّ فحسب، بل أن تساعدَه على استعادةِ حقِّه في التعبيرِ عن نفسِه.
ومع ذلك، يظلُّ في العبارةِ احتمالٌ آخرُ: لعلَّ المتكلّمَ لا يطلبُ من المحبوبةِ أن تمنحَه الشجاعةَ مباشرةً، بقدرِ ما يرجو منها إشارةً تطمئنُه إلى أنّ اعترافَه لن يسقطَ في الفراغِ. وفي الحالتيْنِ، تتجاوزُ العلاقةُ إطارَ الغزلِ التقليديّ إلى سؤالٍ أعمقَ عن دورِ الآخرِ في تحريرِ الذاتِ من خوفِها.
8- كتابُ العينيْنِ والسطرُ المهملُ: الخوفُ من المحوِ والنسيانِ.
يختتمُ الشاعرُ قصيدتَه بقولِه:
«قبل أن تصبح حياتي
سطرًا مهمَلًا في كتابِ عينيكِ
وتاريخًا لعينًا للضباب..»
تتّخذُ النهايةُ شكلَ تحذيرٍ موجّهٍ إلى الزمنِ وإلى الذاتِ معاً؛ فالمتكلّمُ يخشى أن تنقضيَ حياتُه قبلَ أن يُمنحَ مشاعرَه فرصةً للظهورِ. ولا يعودُ الخطرُ مقتصراً على خسارةِ الحبيبةِ، بل يمتدُّ إلى احتمالِ أن تصبحَ الحياةُ نفسُها أثراً باهتاً لا يلتفتُ إليه أحدٌ.
وتنهضُ صورةُ «كتاب عينيكِ» على استعارةٍ تجعلُ العينيْنِ كتاباً مفتوحاً على المعاني والذكرياتِ، وتحوّلُ الحياةَ إلى سطرٍ قابلٍ للقراءةِ أو الإهمالِ. غيرَ أنَّ الشاعرَ لا يخشى ألّا يُكتبَ اسمَه في هذا الكتاب، بل يخشى أن يُكتبَ ثمَّ يُهمَلَ؛ وهذا فارقٌ دلاليٌّ مهمٌّ ، لأنّ الإهمالَ يفترضُ إمكانَ الحضورِ، لكنّه ينزعُ عنه قيمةَ الاعترافِ والاهتمامِ.
ويؤدّي وصفُ السطرِ بأنّه «مهمَلٌ» وظيفةً تتجاوزُ معنى النسيانِ؛ فهو يرمزُ إلى حياةٍ لم تستطعْ أن تبلغَ تمامَ تجربتِها، أو إلى مشاعرَ بقيتْ حبيسةً فلم تتحوّلْ إلى حدثٍ واضحٍ في ذاكرةِ المحبوبةِ.
ثمَّ تأتي عبارةُ «تاريخاً لعيناً للضباب» لتضيفَ إلى النهايةِ طبقةً من الالتباسِ. فالضبابُ يحجبُ الرؤيةَ، ويطمسُ الحدودَ، ويجعلُ الأشياءَ حاضرةً في هيئةٍ غيرِ مكتملةٍ. أمّا وصفُ التاريخِ باللّعينِ فيمنحُه طابعاً عدائيَّاً، وكأنّ الزمنَ لا يكتفي بتمريرِ الحياةِ، بل يتواطأُ مع التردّدِ على تحويلِها إلى سجلٍّ من الخساراتِ والفرصِ الضائعةِ.
ويمكنُ قراءةُ هذه النهايةِ بوصفِها صورةً لمستقبلٍ يخشاه العاشقُ: مستقبلٍ لا يحملُ ذكرى واضحةً لحبِّه، بل يختزنُ أثرًا غائماً لمشاعرَ لم تُمنحْ فرصةُ التحقّقِ. وهنا تتّصلُ النهايةُ بصورةِ القطارِ في بدايةِ الأزمةِ؛ فالزمنُ الذي كان يعبرُ المتكلّمَ يعودُ في الخاتمةِ ليهدّدَه بمحوِ المعنى من حياتِه.
ومن النّاحيةِ التعبيريّةِ، قد تحتاجُ عبارةُ «وتاريخًا لعينًا للضباب» إلى مزيدٍ من الإحكامِ؛ فالعلاقةُ بين التاريخِ والضبابِ تحتملُ تأويلًا شعريًّا، لكنّها لا تتّضحُ بالدرجةِ نفسِها التي تتّضحُ بها صورةُ السطرِ المهملِ. ولعلَّ إعادةَ النظرِ في هذه العبارةِ تمنحُ النهايةَ مزيدًا من التماسكِ، من غيرِ أن تفقدَ غموضَها الإيحائيَّ.
9- البنيةُ النفسيّةُ والفلسفيّةُ: حين يصبحُ الصمتُ شريكاً في الخسارةِ.
لا تقومُ القصيدةُ على حكايةِ حبٍّ متعثّرٍ فحسب، بل على صراعٍ بين الرّغبةِ في التحقّقِ والخوفِ من تبعاتِه. فالمتكلّمُ يريدُ الاقترابَ، لكنّه يخشى أن ينكشفَ؛ ويريدُ أن يقولَ «أحبّكِ»، لكنّه يتوقّعُ أن يخذلَه صوتُه؛ ويبحثُ عن الأمانِ في عيني المحبوبةِ، ثمَّ يقرأُ فيهما ما يضاعفُ ارتباكَه.
ومن هذا المنظورِ، تتشكّلُ في النصِّ مجموعةٌ من الثنائيّاتِ المتقابلةِ:
-الانفتاحُ والانغلاقُ: النافذةُ التي تعدُ بالعبورِ في مقابلِ الحقولِ التي تُغلقُ ربيعَها.
-الحركةُ والسكونُ: قطارُ الوقتِ الذي يمضي في مقابلِ العاشقِ العالقِ في الظلِّ.
-الدفءُ والبرودةُ: الهدوءُ الذي يتوقُ إليه المتكلّمُ في مقابلِ جبالِ الثلجِ التي تربكُه.
-الصوتُ والصمتُ: الاعترافُ الذي يوشكُ أن يولدَ في مقابلِ الصوتِ الذي يُدفنُ عندَ اللحظةِ الأخيرةِ.
-الحضورُ والمحو: الحياةُ التي تبحثُ عن مكانٍ في كتابِ العينيْنِ، في مقابلِ السطرِ الذي يتهدّدُه الإهمالُ.
وتكشفُ هذه الثنائيّاتُ عن بنيةٍ نفسيّةٍ تتأرجحُ بين قطبيْنِ: التوقِ إلى الآخرِ، والانسحابِ خوفاً من مواجهتِه. لكنّ المأزقَ الحقيقيَّ لا يكمنُ في الخوفِ وحدَه، بل في تحوّلِه إلى عادةٍ تستنزفُ الحياةَ؛ فكلُّ تأجيلٍ يمنحُ المتكلّمَ راحةً مؤقّتةً، لكنّه يقرّبُه من الندمِ الذي يخشاه.
ومن هنا يكتسبُ النصُّ بُعداً فلسفيًّا؛ إذ يطرحُ، من غير خطابٍ مباشرٍ، سؤالاً عن مسؤوليّةِ الإنسانِ تجاهَ مشاعرِه: هل يكفي أن نحبَّ في داخلِنا، أم أنَّ الحبَّ يحتاجُ إلى فعلٍ يخرجُه من حيّزِ الاحتمالِ إلى حيّزِ الوجودِ؟
لا تقدّمُ القصيدةُ إجابةً حاسمةً، لكنّ خاتمتَها توحي بأنّ الصمتَ ليس موقفًا محايداً دائماً؛ فقد يصبحُ اختيارًا له عواقبُه، وقد تتحوّلُ محاولةُ تجنّبِ الخسارةِ إلى الطريقِ الذي يقودُ إليها.
10- اللّغةُ والصورةُ والإيقاعُ: بين شفافيّةِ المجازِ وكثافةِ الانفعالِ.
تعتمدُ القصيدةُ لغةً وجدانيّةً واضحةً، تتخلّلُها صورٌ تقومُ على تشخيصِ المعاني المجرّدةِ وتجسيدِها. فالأفكارُ تتراقصُ، والصوتُ يهبطُ متعباً، والوقتُ قطارٌ يعبرُ، والكلماتُ تنهضُ، والحياةُ سطرٌ في كتابٍ. وهذه التحوّلاتُ تمنحُ التجربةَ الداخليّةَ أجساداً وصوراً محسوسةً، فيستطيعُ القارئُ أن يرى القلقَ بدلَ أن يكتفيَ بسماعِ وصفِه.
وتبرزُ الطبيعةُ بوصفِها المعجمَ الرمزيَّ الأوسعَ في النصِّ: الحقولُ، والربيعِ، والفجرُ، والأغصانُ، والجبالُ، والثلجُ، والرمالُ، والسماءُ، والضبابُ. غيرَ أنّ هذه المفرداتِ لا تؤدّي وظيفةً زخرفيّةً؛ فهي تتوزّعُ وفقَ حركةِ الحالةِ النفسيّةِ. يبدأُ النصُّ بفضاءٍ يتّسعُ للسكينةِ، ثمّ تتكاثرُ العوائقُ، وتضيقُ إمكانيّةُ البوح، ِوصولاً إلى مشهدِ الضبابِ الذي يهدّدُ بطمسِ الأثرِ.
أمّا الإيقاعُ، فيتشكّلُ من تفاوتِ طولِ الأسطرِ، وتكرارِ بعضِ المفرداتِ، وتوالي الأسئلةِ، والوقفاتِ التي تفصلُ الصورَ عن بعضِها. ويمنحُ هذا التقطيعُ النصَّ نبرةً أقربَ إلى المناجاةِ الداخليّةِ، حيث يتقدّمُ الشعورُ في موجاتٍ متتابعةٍ، ولا يستقرُّ على نسقٍ واحدٍ.
ومع ذلك، فإنّ بعضَ الصورِ تبدو أقوى من غيرِها من حيثُ التماسكِ الدلاليّ. فصورُ «قطار الوقت»، و«دفن الصوت»، و«السطر المهمل» تتّصلُ مباشرةً بالمأزق النفسيّ، وتؤدّي وظيفةً واضحةً في بناءِ التجربةِ. أمّا بعضُ التراكيبِ، مثل «تاريخاً لعيناً للضباب»، فتحتاجُ إلى مزيدٍ من التحديدِ لتبلغَ الدرجةَ نفسَها من الإيحاءِ المحكمِ.
كذلك، فإنّ علاماتِ الترقيمِ المتكاثرةِ في بعضِ المواضعِ يمكنُ تهذيبُها، لأنّ الانفعالَ الذي تحملُه الصورُ لا يحتاجُ دائماً إلى تعزيزٍ طباعيٍّ .فحينَ تكونُ الصورةُ ناجحةً، تستطيعُ أن تتركَ أثرَها في القارئِ ِمن غيرِ أن تشيرَ بإلحاحٍ إلى مقدارِ ما ينبغي أن يشعرَ به.
11- الحكمُ النقديّ: نافذةٌ مفتوحةٌ على الحبِّ، مغلقةٌ بالخوفِ
تنجحُ قصيدةُ «نافذةَ عينيكِ» في بناءِ تجربةٍ وجدانيّةٍ تتمحورُ حولَ صعوبةِ الاعترافِ، وتجعلُ من الصورِ الطبيعيّةِ وسائلَ للكشفِ عن التردّدِ والقلقِ والخوفِ من فواتِ الزمنِ. وتكمنُ اِحدى نقاطِ قوّتِها في تحويلِ الحالةِ النفسيّةِ إلى مشاهدَ محسوسةٍ؛ فالعاشقُ لا يقولُ إنّه خائفٌ فحسبُ، بل يتركُنا نرى القطارَ الذي يتجاوزُه، والثلجُ الذي يربكُه، والرمالُ التي تدفنُ صوتَه، والكتابُ الذي يتهدّدُه بالإهمالِ.
كما أنّ انتقالَ المتكلّمِ من التساؤلِ إلى الاستغاثةِ يضفي على النصِّ تطوّراً نفسيَّاً واضحاً؛ فالصوتُ الذي ظلَّ أسيرَ التردّدِ يبدأُ، في النهايةِ، بالمطالبةِ بحقِّه في الخروجِ. وبذلك تصبحُ القصيدةُ محاولةً لاستعادةِ المبادرةِ، وإن ظلَّ مصيرُ هذه المحاولةِ معلّقاً.
أمّا المساحةُ التي يمكنُ تطويرُها، فتتمثّلُ في إحكامِ بعضِ التراكيبِ، وتخفيفِ المبالغةِ في علاماتِ الترقيمِ، وتحقيقِ قدرٍ أكبرَ من التوازنِ بين كثافةِ الانفعالِ ودقّةِ التعبيرِ. فالتجربةُ تمتلكُ مادّتَها الشعوريّةَ، وبعضُ صورِها غنيٌّ بالدلالةِ، وما تحتاجُ إليه أحيانًا هو مزيدٌ من الانتقاءِ الذي يمنحُ الصورةَ الأقوى مساحةً أوسعَ للتأثيرِ.
خاتمةُ القراءةِ:
في «نافذة عينيكِ»، لا يقفُ العاشقُ أمامَ امرأةٍ فحسب، بل أمامَ المسافةِ الفاصلةِ بين ما يشعرُ به وما يجرؤُ على قولِه. إنّه يرى في عينيْها ملاذاً، لكنّه يحملُ إلى هذا الملاذِ مخاوفَه التي تعوقُ وصولَه؛ فيفتحُ قلبَه للبوحِ، ثمّ يدفنُ صوتَه، ويستدعي الزمنَ شاهداً على خسارتِه قبلَ أن يمنحَ نفسَه فرصةَ المحاولةِ.
ولعلَّ أكثرَ ما يثيرُ التأمّلَ في النصِّ أنّ العاشقَ لا يخشى غيابَ الحبِّ بقدرِ ما يخشى أن يمضيَ العمرُ من دونِ أن يتركَ لهذا الحبِّ أثراً واضحاً. وهكذا تتحوّلُ النافذةُ من صورةٍ للجمالِ والسكينةِ إلى امتحانٍ للشجاعةِ: فليستِ المشكلةُ أن تكونَ الطريقُ إلى الآخرِ خاليةً من العوائقِ، بل أن يجدَ الإنسانُ في نفسِه القدرةَ على العبورِ.
إنّ الأديبَ القديرَ قصي الفضلي يضعُنا أمامَ مفارقةٍ إنسانيّةٍ موجعةٍ: قد لا يهزمُنا ما نخشاه بقدرِ ما يهزمُنا تأجيلُ مواجهتِه، وقد لا تضيعُ فرصُنا لأنّ أبوابَها أُغلقتْ، بل لأنّنا ظللْنا طويلاً ننتظرُ الشجاعةَ عندَ عتباتِها.
دُمتَ مبدعاً أديبُنا السامقُ.
القصيدةُ:
نافذة عينيك
شعر: قصي الفضلي- العراق
كلُّ الحقولِ حينَ تُغلقُ ربيعها
تفتحُ عيناكِ نافذةً للهدوءِ الّلا نهائي…
تتراقص حول رأسي أفكارٌ
وأفكار
هل أبعثُ إليكِ رسائلَ
تنهضُ كلماتها
حين تهدأُ على شفتيكِ
كما يهدأُ الفجرُ
على أغصانِ السماء!
أم أبقى في الظلِ
حتّى يعبرني قطارُ الوقتِ
فيهبطُ متعباً صوتي
قبل أن ينطق (أحبّكِ)
ثمّةَ جبالُ ثلجٍ
في نافذة عينيكِ تربكني
فماذا أفعل!!
ربّما اعتدتُ دفنَ صوتي
عند اللحظة الأخيرةِ
في رمالِ عينيكِ
واعتدتُ رمي كلّ شيء
حياتي… همساتي.. أمنياتي
في خضمّ التنهدات!!!!
ساعديني على اللجوء إليك
وشجّعي صوتي على الهروب منّي
قبل أن تصبح حياتي
سطراً مهملاً في كتاب عينيك
وتاريخاً لعيناً للضباب..