كتاب وشعراء

غربة المكان وغربة المجتمع: كيف يكتب الأدب ما فقدناه… بقلم الكاتب والناقد: ماجد القيسي

لا تبدأ الغربة بالضرورة لحظة اجتياز الحدود الجغرافية، بل تنبثق حين يعود المرء إلى شوارع نشأته فلا يعثر على ألفته المفقودة، أو حين يجلس وسط جمع فيدرك أن همومهم لا تلامس ما يؤرقه في العمق. فالغربة في جوهرها انفصال حاد للوعي عن محيطه المكاني أو الإنساني، وليست محض نأي في المسافات أو ابتعاد في التضاريس. ويميز الدرس الأدبي عمومًا بين غربة المكان المرتبطة بالجغرافيا وحنين الذاكرة، وغربة المجتمع المتصلة بتآكل النسق القيمي وغياب الاعتراف المتبادل بين الفرد وجماعته. ويكمن الرهان النقدي في الكشف عن السبل التي تمكّن السرد الإبداعي من تحويل هذا الانقطاع القاسي إلى تجربة حسية ملموسة، متجاوزًا منطق الشكوى المجردة إلى التجسيد الفني المتكامل.
يتجلى البعد الأول في غربة المكان؛ إذ لا يخسر المغترب حيزه الترابي فحسب، بل يفقد شبكة من التفاصيل اليومية التي وهبت حياته معناها الأصيل، من روائح البيوت العتيقة إلى حرارة الأزقة ونداءات الباعة. ففي رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للروائي الطيب صالح، لا تمثل عودة مصطفى سعيد إلى قريته استعادة عفوية للجذور، وإنما تغدو اصطدامًا عنيفًا بين ذاكرة المكان المشروخة وتحولات الهوية الناشئة عن العبور الثقافي. يحضر المكان كمسرح جغرافي محسوس، غير أن الانتماء الوجداني إليه يظل قيد مساءلة واختبار؛ فالذات العائدة تحمل وعيًا مركبًا لا يستوعبه فضاء القرية، والقرية بدورها شهدت تحولات تصدم ذاكرة العائد. ومثل هذا الاغتراب لا يشترط مفارقة الوطن أصلًا، ففي رواية “إلى المنارة” لفرجينيا وولف، تتبدل دلالة البيت الصيفي والبحر المحيط به مع تصرم السنين وتغير الوعي الداخلي للشخصيات، ليغدو المكان وعاءً لما خلفته التجارب والفقد في النفوس، لا لما تحرسه الجدران من استقرار ظاهري، مما يولد منفى نفسيًا وزمانيًا يقبع في صميم الألفة القديمة.
أما الوجه الآخر فيتمثل في غربة المجتمع، التي تولد من اتساع الفجوة الأخلاقية بين الفرد وبيئته الحاضنة، أو حين يصبح الاعتراف بالذات رهنًا بالمنفعة الوظيفية والمادية البحتة. يقدم فرانز كافكا في روايته الشهيرة “المسخ” تجسيدًا قاسيًا لهذه الظاهرة الوجودية؛ إذ يفقد غريغور سامسا قدرته الإنتاجية إثر تحوله الجسدي، فيتلاشى تقبّل الأسرة لوجوده تدريجيًا حتى يغدو عبئًا منبوذًا. ولا تقف مأساته عند البعد الاقتصادي، بل تتعداه إلى انقطاع قنوات التواصل الإنساني مع محيطه، مما يجعل صمته وانكفاءه دفاعًا أخيرًا لصون ما تبقى من كرامته المهدورة. ويتناغم هذا الطرح مع ما صوره فيودور دوستويفسكي في رواية “الأبله”؛ حيث يواجه الأمير ميشكين مجتمعًا تسيره الحسابات والمصالح، وحين يحاول التعاطي بنقاء فطري ورحمة صادقة، لا تقوده استقامته إلا إلى العزلة الشاملة والعجز عن التوافق مع واقع مادي يرى في البراءة ضربًا من السذاجة.
ولا يتحقق التعبير عن هذه الغربة عبر الإخبار الإنشائي المباشر، بل بتوظيف أدوات أسلوبية وسردية دقيقة تنقل القارئ إلى معايشة الحالة ذاتها. إذ يتيح تيار الوعي والمونولوج الداخلي صهر الحاضر في أتون الذكريات، كما يمنح الاسترجاع الزمني فرصة لعقد مقارنة حية بين واقع مجدب وأزمنة مضيئة مشحونة بالحميمية، فضلًا عن تشغيل الرموز الدالة (كالنافذة المغلقة ومحطة القطار). يتكامل ذلك مع المنفى اللغوي؛ حيث يعكس تعثر الحوارات والاضطرار إلى الكتابة بلغة الآخر عمق التمزق الوجودي، كما بيّن إدوارد سعيد في سيرته “خارج المكان”.
وفي المحصلة، تغدو الكتابة محاولة واعية لإنقاذ ما يتلاشى أمام سطوة النسيان. إن تجربة محمود درويش تبرهن على قدرة النص في تشييد جغرافيا موازية؛ إذ تحضر فلسطين في قصائده عبر استدعاء تفاصيل الأرض والأسماء وروائح النباتات البرية، فتصبح اللغة ذاتها وطنًا بديلًا يقاوم الطمس والاندثار. لا يملك الأدب بالضرورة استرجاع الحيز المفقود ولا ردم الهوة بين الفرد وجماعته، غير أنه يمتلك القدرة على تفكيك أسباب الشقاق، وتخليد صلتنا بكل ما ضاع منا، ومنح الألم الإنساني فرصة حقيقية للفهم عوضًا عن بقائه أسير الصمت.

ماجد القيسي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى