كتاب وشعراء

قراءة تحليلية فلسفية للأديب و الناقد العراقي إبراهيم علي الإدريسي ‎ لنص الشاعر زكريا شيخ أحمد :الرجل الذي نسي موته

ليس الموت دائماً انطفاء الجسد، فقد يموت الإنسان في داخله بينما تواصل عاداته أداء الحياة نيابةً عنه. في هذا النص تتجلى مفارقة الوجود حين ينفصل الوعي عن الحدث، ويصبح الموت حقيقةً حدثت، لكن الحياة اليومية تتواطأ على إنكارها.
الرجل مات، لكنه لم يفقد وظيفته ولا مواعيده ولا علاقته بالأشياء؛ اشترى الخبز، واطمأن على أمه، وشاهد الأخبار. كأن النص يضعنا أمام إنسان تحوّل إلى شاهد على حياته، يمارسها دون أن يكون حاضراً فيها.

((مفارقة الوعي والغياب))
نسيان الموت ليس نجاةً منه، بل ربما يكون أشد أشكاله قسوة؛ لأن الإنسان حين يفقد وعيه بحقيقته، يستطيع أن يستمر في أداء الحياة دون أن يختبر معناها.

((اليومي بوصفه قناعاً للوجود))
الخبز والعمل والتلفاز والاتصال بالأم ليست تفاصيل عابرة، إنها أدوات الاعتياد التي تستر الهوة بين الوجود ومعناه. فالحياة قد تستمر في انتظامها حتى بعد أن يفقد الإنسان صلته العميقة بها.

((الأم وحكمة التناقض))
تأتي إجابة الأم لتقلب المأساة إلى حكمة وجودية ساخرة: لسنا نملك إلغاء الموت، لكننا نملك ألّا نمنحه سلطة مصادرة أيامنا. إنها لا تنفي الحقيقة، بل تعيد الإنسان إلى حقه في مواصلة الحياة رغم معرفته بنهايتها.

((الخفة بوصفها تحرراً))
حين يتذكر الرجل موته، يصبح أخفّ؛ وهذه المفارقة هي عصب النص الفلسفي. فاستحضار النهاية لا يثقل الحياة بالضرورة، بل قد يحررها من أوهام الديمومة، ومن الأهمية الزائفة التي نمنحها لما لا يستحق استنزاف أعمارنا.
في العمق، لا يسألنا النص متى نموت، بل يسألنا: كم مرةً متنا ونحن نظن أننا نعيش؟

إنه نص يضع الاعتياد في مواجهة الوعي، ويتركنا أمام حقيقة مقلقة: قد لا تكون المأساة أن تنتهي الحياة، بل أن تستمر طويلاً دون أن ننتبه أننا لم نكن نحياها.

“أخطر أشكال الموت أن يتحول الإنسان إلى عادةٍ تمشي، وأن يظل العمر مستمراً بينما يغيب صاحبه عن معنى وجوده”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى