
ظهرت في الأونة الأخيرة ضجة إعلامية وتواصلية أجنبية كبيرة تتحدث عن مواقف ومجد الشعب الجزائري وبطولاته وكأنه فريد من نوعه، فهل هي الحقيقة أم حاجة في نفس يعقوب؟ ما يظهر من خلال الإصرار على عظمة السلوك الفردي في هذا البلد أنه بطل الأبطال المغوار ولا يشبه على البشرية الأخرى. هذه الضجة الزائدة عن اللزوم توحي بنية نفخ البلاد لتكون بمثابة كرة قابلة للانفجار كما وقع للعراق وصدام.
إن كان هذا صحيح وليس بهذا الوصف، فهذا راجع ربما إلى عوامل متعلقة بالبيئة والظروف والعرق والعادات المستوردة عامة. فعلى غرار الشعوب الأخرى، شعوب شمال إفريقيا وجدت نفسها في ممر تعاقبت عليه حضارات وحروب تجذر من خلالها ثقافات مختلفة وعلوم. وإن كان البعض يظن غير ذلك، فبين هذا وذاك واقع يرشح الصواب ومجال المقارنة يتجاوب مع السائلين ويوضح حقيقة الأمور. في كل الأحوال يبقى الشعب الجزائري على حالته ولن يتغير، مسلما اجتماعيا حنون معطاء لا يريد الذل ولا الخذلان ولا الانبطاح مسالم غير عدواني مساعد يتمتع بالصفات التي بنيت عليها الحياة الإنسانية عموما ومتوكل على خالقه.
هناك شعب ومجتمع يربي السلطة ويوجهها، وهناك سلطة تربي الشعب وتعلمه، وهناك رجل يربي السلطة والشعب معا. لم يكن الشعب الجزائري أشطر وأفطن وأعلم من الشعوب والمجتمعات متطورة ومتحضرة اليوم عبر المعمورة. فوجه المقارنة واضح والواقع أن تسيير العالم متمركز على الجانب المادي أكثر من الإنساني أو الروحي إن أصح التعبير عكس بعض المجتمعات وهي قليلة منها الشعب الجزائري وهذا له جذور وعادات وتقاليد متجذرة ومبنية من أصالته عكس ما وصلت إليه المجتمعات التي تدعي التقدم والتحضر المبني أساسا على المعاملة بالمادة والربح السريع والاحتكار والتضييق على المنافس وهي طريقة فئة استولت على العقول بواسطة تطور العالم في زيادة الربح على حساب الأخرين وهذا يؤدي إلى تمركز كلي واحتكار المادة.
ونظرا لكون العالم الحالي التابع لهذه الطريقة بدء بالتخلص منها ويريد التحرر والعمل على الاستقلالية بعد 2014 في ربح الثقة والاعتماد على نفسه بعد الاطمئنان من توازن المعادلة المؤقتة في القطبية من الصين وروسيا. فعامل النزعة التحررية هي التي جعلت بعض الشعوب مثل الفيتنام والجزائر وغيرهم الذين خاضوا ثورات من أجل استقلالهم أين بقت هذه البذرة في سلوك أجيال هذه الشعوب. هل هي ميزة أم زيادة عن اللزوم؟ بل هي ميزة العبد الحر، ويبقى وعي الشعوب والمجتمعات عن طريق العلم والمعرفة هو السبيل الوحيد لتطور الدول واستقلالها الفكري.
اليوم ما يلاحظ أن فكرة السيطرة على الاحتكار في السياسة والاقتصاد أصبح يتلاشى تدريجيا والعلم يتوجه إلى قطبية متعددة نتيجة التفتح والإعلام المعاكس والمحارب لطريقة الاستيلاء على التسيير الأحادي. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والعلم يسير بيد فئة انتهجت طريقة التفتح شعارا للحرية وتطور الشعوب والأمم كستار ولكن في حقيقة الأمر الهدف كان غير ذلك هو عمل على إزالة العرق والأصالة وكل ما من شأنه أن يمس بالفئة المدبرة عبر المعمورة ما جعل هذا التقدم يقلص المجتمعات المتمسكة بأصالتها ونظافتها العرقية وانحصرت في أماكن محدودة ومعزولة على التطور المفرط وعاد الحكم بيد الطالح أكثر من الصالح الذي يدبر شؤونه ويملي عليه. عندما نتكلم عن الشعب الجزائري ربما ما يتعجب منه البعض بهذه الصيفة هو ما نشاهده من سلوكيات سياسية في عالمنا اليوم وتفكك الأمم والشعوب والمجتمعات والتخلي على القيم التي جاءت بها العلمانية والليبرالية وغيرها.