
لم تكنِ الورقةُ سوى أسماءٍ كتبَها يومًا بقلبٍ مفتوحٍ، وأحلامٍ ظنَّ أنها ستكبرُ معهم.
جلسَ وحيداً، يتأمّلُ الحروفَ التي جمعتْهم يومًا حولَ مائدةِ المحبةِ، قبلَ أن تفرّقَهم المصالحُ، وتكشفَ الشدائدُ وجوهَهم الحقيقيةَ.
أشعلَ طرفَ الورقةِ، وهمسَ:
— سأمحوكم من ذاكرتي، كما محوتموني من حساباتِكم.
امتدتِ النارُ ببطءٍ، والتهمتِ الأسماءَ واحدًا تلو الآخرِ. راقبَها بشيءٍ من الشماتةِ حتى بلغَ اللهبُ الاسمَ الأخيرَ، اسمِ الرجلِ الذي اقتسمَ معه الخبزَ في سنواتِ العوزِ، ثمَّ تركَه وحيدًا حين صارَ الوفاءُ عبئاً.
ارتجفتْ أصابعُه، وكادَ يطفئُ النارَ، لكنَّ الورقةَ كانتْ قد احترقتْ.
تناثرَ الرمادُ في الهواءِ، وبقيتْ يداه ترتجفان.
في تلك اللحظةِ، أدركَ أنّه لم يكنْ يحرقُ رفاقَه، بل كانَ يحاولُ إحراقَ النسخةِ القديمةِ من نفسِه؛ ذلك الإنسانِ الذي صدّقَ أنَّ كلَّ يدٍ تمتدُّ إليه تحملُ قلباً، وأنَّ كلَّ ابتسامةٍ وعدٌ لا يخونُ..
نهضَ، وألقى ما تبقَّى في الموقدِ، ثمَّ فتحَ النافذةَ.
دخلَ الهواءُ، وحملَ الرمادَ بعيداً.
لكنَّ اسماً واحداً ظلَّ مشتعلاً في صدرِه، ليس اسمَ الخائنِ، بل اسمُه هو… يومَ كان يظنُّ أنَّ الوفاءَ لا يحتاجُ إلى اختبارٍ.
بقلم: ليلى صليبي