رؤي ومقالات

نداء حرب تكتب : الدبلوماسية على حافة الحرب حين تتفاوض الطائرات قبل أن تتكلم الوفود !!

الدبلوماسية على حافة الحرب

حين تتفاوض الطائرات قبل أن تتكلم الوفود

🖊 نداء حرب

ثمة لحظات في السياسة الدولية لا يكون فيها الخبر هو ما يُقال، بل ما يُحشَد. واللحظة الراهنة واحدة منها.

تتحدث تسريبات متطابقة، من عواصم عدة، عن اقتراب التوصل إلى اتفاق دبلوماسي أميركي إيراني، ترتكز جهوده على مبادرة قطرية، وتشارك فيها أطراف إقليمية ودولية، من بينها روسيا ودول ما يُعرف بتحالف مكة. وفي الوقت نفسه، تتحرك في المنطقة حشود عسكرية أميركية وإسرائيلية غير مسبوقة، توحي بأن الاستعداد لحرب كبرى يسير بالتوازي مع الاستعداد لاتفاق كبير.

هذا التزامن ليس تناقضاً. إنه، في منطق القوة، لغة التفاوض نفسها.

1- الدبلوماسية التي تولد من فوهة التهديد

التاريخ القريب يعلّم أن واشنطن، في عهد دونالد ترامب تحديداً، اعتادت أن تفاوض وهي تلوّح بالعصا، وأن تشنّ الضغط الأقصى وهي جالسة إلى الطاولة. لم يكن ذلك استثناءً، بل أسلوباً: رفع سقف التهديد لخفض سقف المطالب، ودفع الخصم إلى الاعتقاد بأن البديل عن الاتفاق هو الكارثة.

من هنا، فإن الحديث عن اتفاق محتمل لا يعني بالضرورة سقوط خيار الحرب من الحسابات. بل قد يعني العكس تماماً: أن الحرب أصبحت ورقة التفاوض الأخيرة، وأن حاملات الطائرات تُستخدم كحروف في نصّ دبلوماسي لم يُكتب بعد.

السؤال الحقيقي ليس: هل سيكون هناك اتفاق؟ بل: أي اتفاق؟ وبأي ثمن؟ وهل سيكون اتفاقاً ينهي التصعيد، أم هدنةً تُعيد ترتيب ميزان القوى قبل الجولة التالية؟

2- لماذا قطر؟ ولماذا الآن؟

اختيار الدوحة وسيطاً ليس تفصيلاً جغرافياً، قطر باتت، خلال السنوات الأخيرة، القناة الخلفية المفضلة حين تُغلق القنوات الأمامية. هي تحاور الجميع دون أن تُصنَّف مع أحد، وتمتلك علاقة عمل مع طهران وواشنطن معاً، وتجيد إدارة الملفات الحساسة بعيداً عن الأضواء.

أما دخول روسيا ودول تحالف مكة على الخط، فيكشف أن الملف لم يعد ثنائياً أميركياً إيرانياً. إنه ملف إقليمي شامل، يتقاطع مع أمن الخليج، وأسعار الطاقة، ومستقبل النفوذ في الشرق الأوسط، وصولاً إلى الحرب في أوكرانيا والعلاقة مع موسكو.

أي اتفاق لا يأخذ هذه الشبكة في الاعتبار سيكون اتفاقاً ناقصاً، مهما بدا منجزاً إعلامياً.

3- أوروبا تستعد لما لا تقوله الدبلوماسية

في هذه الأثناء، يأتي الصوت الأكثر إثارة للقلق من مكان آخر: من أوروبا.

الخطاب البريطاني، ومعه خطابات عواصم أوروبية أخرى، لم يعد يتحدث عن احتمال بعيد للحرب مع روسيا، بل عن استعداد واجب لها. ودعوة المواطنين إلى الاحتفاظ بمؤن ومستلزمات أساسية تكفي 72 ساعة، ودفع المفوضية الأوروبية منذ العام الماضي باتجاه تعزيز استعدادات الطوارئ المدنية، ليست إجراءات إدارية عابرة.

بالتأكيد، هذه الحقائب ليست معدّة لرحلة اصطياف.

إنها رسالة مزدوجة: رسالة طمأنة للداخل بأن الدولة مستعدة، ورسالة ردع للخارج بأن المجتمع لن ينهار عند أول صدمة. لكنها، في جوهرها، اعتراف ضمني بأن النظام الدولي الذي قام بعد 1945 لم يعد يوفر الأمان الذي وعد به، وأن أوروبا دخلت عصراً تستعيد فيه مفردات الحرب الباردة، بلغة القرن الحادي والعشرين.

4 – بين تقدم الدبلوماسية وتقدم الجيوش

هنا تكمن المفارقة الكبرى لهذه المرحلة: التصريحات تعكس تقدم الدبلوماسية، والواقع يعكس تقدم الجيوش وحاملات الطائرات.

وهذا ليس خللاً في المشهد، بل هو المشهد نفسه. العالم اليوم يتفاوض بمنطقين متوازيين: منطق الكلمات في قاعات مغلقة، ومنطق الحديد في البحار والسماء. وكل طرف يختبر جدية الآخر، لا بما يقوله، بل بما يحشده.

الخطر الحقيقي ليس في أن تفشل الدبلوماسية، بل في أن تنجح جزئياً، اتفاق هشّ، يُبقي أسباب التوتر قائمة، ويُرحّل الخلافات الجوهرية، قد يكون أخطر من لا اتفاق، لأنه يمنح الجميع وهم الهدوء، بينما تستمر آلة التصعيد في العمل تحت السطح.

من يملك قرار الحرب والسلم؟

في النهاية، لن تحسم هذه الأزمة التسريبات ولا الحشود، بل الإجابة عن سؤال واحد: هل ما زال القرار الدولي يُصنع على طاولات التفاوض، أم أنه انتقل نهائياً إلى غرف العمليات؟

إن كان الاتفاق الأميركي الإيراني المُنتظر سيكون بداية لمسار يخفض التوتر الإقليمي، ويعيد الاعتبار للقانون الدولي، ويمنح شعوب المنطقة حقها في الاستقرار دون أن تكون ساحة لتصفية الحسابات، فهو يستحق الدعم، مهما كانت هوية الوسطاء.

أما إن كان مجرد استراحة تكتيكية بين جولتين، تُستخدم فيها الدبلوماسية لتغطية الاستعداد للحرب، فإن التاريخ سيعيد نفسه، وسيكتشف الجميع، متأخرين كالعادة، أن الحقائب التي أُعدّت لـ72 ساعة لم تكن مبالغة، بل كانت تقديراً متفائلاً.

العالم لا يحتاج إلى اتفاق آخر يُعلَن. يحتاج إلى سلام لا يُلغى بتغريدة، ولا يُنسف بحاملة طائرات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى