دراسة نقدية تحليلية في قصيدة “آيَةُ الْبَدْءِ” للشاعر المصري الكبير: عباس محمود عامر.. بقلم الناقد الأدبي الكويتي: د.حسين عبد الله الراشد

آيَةُ الْبَدْءِ
شذرات حرة
الشاعر.عباس محمود عامر
“مصر”
تَفْتَحِينَ نَافِذَةَ النَّهَارِ الْبَيْضَاء
تُشْرِقُ شَمْسُ أُنُوثَتِكِ
فِي الزَّاوِيَةِ الْبَعِيدَةْ
تُلْهِبُنِي أَسْرَارُ شُعَاعِهَا
تَبْهِرُنَا أَلْوَانُ السَّرَابِ عَلَى
مَلَامِحِنَا
عَلَى أَذْرُعٍ تُعَانِقُ صَدْرَ الْمَدَارِ
حِينَمَا تَضَمُّ صَفْحَةُ النَّهَارِ
حُرُوفَ الْجَمَالِ عَلَى سُطُورِ الشَّمْسِ
بِهَمَسِ الصَّهْدِ النَّارِي
حِينَمَا لَامَسَتْ زَبَدَ الضَّوْءِ
نَزْعَةُ الصَّبَاحِ الْحَارِ
تَمْتَدُّ فِي بُؤْرَةِ التَّوْقْ
تَنْقَبِضُ سِيقَانُ الظَّهِيرَةِ
فِي صَحْوَةِ الْمَارِقِ الْحَارِقْ
الْأَنِينُ السَّجِينُ
يَكْسِرُ الصَّمْتَ
يَفِرُّمِنَ الْحَصِينِ
إِلَى مَسَامِعِ الْعَالَمِينْ
حَبِيبَتِي
نَرْتَعِدُ فِي رَفْسَةِ زِلْزَالٍ
لَكِنَّهَا هَزَّةُ الرِّيحِ
لِتُمْطِرَ سَحَابَ الرُّوحِ
فِي رَبْوَتِكِ الْعَطْشَى
هَبَطَتْ بِنَا الْأَرْضُ
كَأَنَّ تُفَّاحَةَ آدَمَ تَحَجَّرَتْ
فِي الْحَلْقْ
هُنَا
كَانَتْ آيَةُ الْبَدْءِ
وَالْعَلَقَةُ فِي رَحِمِ الْكَوْنِ
بَاتَتْ نَبْضًا يَدُقْ
الشاعر.عباس محمود عامر
“مصر”
حين يرى الشاعر في الحبيبة بداية للعالم، تصبح الشمس والضوء والأرض والسماء جزءاً من حكاية الحبِّ، وكأنَّ حضورها لا يغيِّر مشاعره وحدها، بل يعيد تشكيل الكون من حوله.
أستاذنا الشاعر عباس محمود عامر، في «آية البدء» تأخذنا إلى عالم تتداخل فيه الأنوثة بالطبيعة، وتتحوَّل فيه المشاعر من تجربة عاطفية إلى صور تتصل بالحياة والخلق والبدايات.
وقد كانت صورة «تفتحين نافذة النهار البيضاء» مدخلاً جميلاً، إذ جعلت الحبيبة سبباً في إشراق النهار، ثم امتدَّت الصور إلى الشمس والحرارة والضوء، وكأنَّ العشق طاقة تتسع حتى تشمل المكان كله.
وأتوقف عند قولك:
«الأنين السجين
يكسر الصمت
يفر من الحصين
إلى مسامع العالمين»
فهنا تنتقل من الصور الكونية إلى الإنسان نفسه، إلى مشاعر ظلت حبيسة، ثم وجدت طريقها إلى العالم. وكأن ما بدأ في أعماق العاشق لم يعد قادراً على البقاء داخله.
أما خاتمتك:
«هنا
كانت آية البدء
والعلقة في رحم الكون
باتت نبضا يدق»
فهي التي تمنح العنوان دلالته الأوسع؛ إذ يصبح الحب في خيال الشاعر أشبه ببداية حياة جديدة، وتتحوَّل صورة الرحم إلى رمز للولادة والتكوين، مع استحضار واضح للمفردات القرآنية في سياق شعري رمزي.
وأرى أن هذه الكثافة في الصور تمنح العمل خصوصيته، وإن كانت بعض الانتقالات السريعة بين الشمس والزلزال وتفاحة آدم والعلقة تحتاج إلى روابط أوضح، حتى يستطيع القارئ متابعة الرحلة من العاطفة إلى فكرة الخلق دون أن تتزاحم عليه الدلالات.
شاعرنا عباس أجمل ما في هذه الشذرات أنك لم تجعل الحب مجرد لقاء بين قلبين، بل تخيلته قوة توقظ الحياة وتمنح الأشياء بداية أخرى. وربما لهذا كان العنوان «آية البدء» أوسع من حكاية عاشق، لأنه يفتح سؤالاً عن قدرة المحبة على تجديد الإنسان من داخله.
لك التقدير على هذا الخيال الشعري وما يحمله من صور تستحق التأمل.
د.حسين عبد الله الراشد
“الكويت”