كتاب وشعراء

بورتريه داخل علبة سوداء….بقلم زكيه المرموق

لا شيء يغيب
حين تغيب
سوى الحياة.

النهار ليس وقتاً
في شارع طلعت حرب.
إنه جدارٌ إسمنتي يتهاوى
على الرصيف

المارة كائنات خشبية
معلقة بخيوط
كأن الشارع كله
مسرحٌ للعرائس
مات مخرجه
وغادره الجمهور

الحيطان عيونٌ سائلة
تُغرق العابرين في ذنوبها

الساعات عقارب حية
تدور إلى الوراء
و تنهش لحم الوقت
دون رحمة
تتحلل الوجوه
تتحول إلى مشهدٍ ذائب
لا اسم له
فتمتلئ الجمل بالعظام
وبالغبار

في مقهى زهرة البستان
اللحظات حبرٌ لزج
يتقاطر من حواف الكراسي

مقعدك الفارغ أمامي
ثقبٌ أسود
يجلس عليه شبحٌ
برأس ساعة
بينما شارب “دالي” يمتد
من وجهه
إلى عنقي

أنظر اليه وأقول:
“أنت لا تقيس الوقت
أنت تشنقني به”

فيهمس بلافم:

“الوقت مات منذ أن غاب
نحن الآن نقتات على جثته فقط”

فمن يخرجني من اللوحة
الآن
والإطار مسخٌ
يتربص بي؟

الجالسون هياكل عظمية
دخان النرجيلات يتصاعد
إلى السماء
كأفاعٍ عمياء

أجلس معك في غيابك
فنجان قهوتك يشيخ
وحيداً
على الطاولة
تلتف حوله خيوط العنكبوت
مثل كفن صغير
بينما النادل النوبي
ينظر إليه بأسف،
يعبر بخفة جثة
كمن يخشى أن يوقظ
الغياب

العالم ورائي
يواصل ركضه المجنون
أبواق السيارات
كأنها صرير أبواب الجحيم
تفزع حتى التماثيل التي تحرس
الميدان

واجهات المحلات
شاشات ضخمة
تعرض هذا الخراب العظيم

وأنا محض كومبارس
مات في المشهد الأول
لكنه مازال يركض داخل
العلبة السوداء

في القاهرة
الليل معطفٌ أسود
يرتديه الرصيف
وأنا أغيب
حين تغيب
جسدي هنا
و الجنة هناك

الكلمات التي تخرج
من فمي
عصافير ميتة
بريش من زجاج

فأغرق في دمي
ويغرق معي هذا
النص

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى