رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :هل أصبحت إيران القوة العظمى في المنطقة

من انتصار البقاء إلى قوة التعطيل.. إعادة قراءة موازين القوة بعد الحرب

ثمة سؤال أعتقد أننا بحاجة إلى طرحه بعيدًا عن الضجيج الإعلامي الحالي: هل أصبحت إيران القوة العظمى في المنطقة بعد المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؟ أم أنها كشفت عن نمط مختلف من القوة، لم يكن حاضرًا بالقدر الكافي في حسابات خصومها؟

أميل إلى أن السؤال نفسه يحتاج إلى إعادة صياغة. فإيران لم تصبح قوة عظمى بالمعنى التقليدي، ولم تتحول إلى قوة مهيمنة تستطيع فرض إرادتها على الإقليم، لكنها خرجت من المواجهة، وفق المؤشرات الاستراتيجية المتاحة، بقدرة أكبر على فرض حساباتها على الآخرين، وهذه ليست مسألة بسيطة.

هناك فارق جوهري بين امتلاك القوة والقدرة على منع الخصم من استخدام قوته. وبين أن تستطيع الدولة فرض نظام إقليمي جديد، وأن تمتلك من أدوات التعطيل ما يجعل أي محاولة لإعادة تشكيل ذلك النظام مكلفة وغير مضمونة النتائج.

وهنا تحديدا تعود أطروحة قوة التعطيل التي تناولتها في كتابي التنافس الإقليمي في الشرق الأوسط قبل اندلاع هذه المواجهة بسنة او يزيد قليلا. فقد كانت الفكرة أن القوة الإقليمية لا تُقاس فقط بما تمتلكه الدولة من موارد عسكرية واقتصادية، وإنما أيضًا بقدرتها على إفساد حسابات خصومها، ورفع تكلفة تحركاتهم، وحرمانهم من الوصول إلى النتائج التي يريدونها.

إيران قدمت نموذجًا عمليًا لهذا النمط من القوة. لم تكن بحاجة إلى التفوق الجوي الأمريكي، ولا إلى امتلاك أسطول بحري يوازي الأسطول الأمريكي، حتى تجعل المواجهة معقدة ومكلفة. كان يكفي أن تمتلك القدرة على توسيع نطاق التهديد، واستهداف نقاط الضعف، والتأثير في الممرات البحرية والطاقة والأمن الإقليمي.

وهذا لا يعني أنها انتصرت عسكريًا في كل المواجهات، أو أنها لم تتعرض لخسائر استراتيجية وعسكرية كبيرة. لكنه يعني أن التفوق العسكري للخصم لم يكن كافيًا وحده لضمان تحقيق أهدافه السياسية.

وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل: قد تخسر الدولة جزءًا معتبرًا من قدراتها، لكنها تحتفظ بقدرتها على منع خصومها من تحويل تفوقهم العسكري إلى انتصار سياسي.
إيران: انتصار البقاء وحدود القوة التقليدية

ما أراه أن إيران نجحت في فرض معادلة لم يكن خصومها يتوقعونها بالقدر الكافي. فقد دخلت المواجهة وهي تعاني اختلالًا واضحًا في ميزان القوة التقليدي، وتعرضت بنيتها العسكرية والنووية لضربات مؤثرة، كما تضررت شبكات نفوذها الإقليمية. ومع ذلك، لم يؤدِّ هذا التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي إلى انهيار الدولة الإيرانية، ولم ينتج عنه تغيير النظام السياسي أو إخضاع القرار الإيراني.

وهنا ينبغي أن نتوقف أمام الفرق بين تدمير القدرات وإلغاء القدرة على المقاومة.

لقد كشفت الحرب أن إيران لا تحتاج إلى الانتصار في معركة جوية حتى تحقق أثرًا استراتيجيًا، وأن امتلاكها للصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرة على تهديد الملاحة ومصادر الطاقة يمنحها أدوات ضغط تتجاوز حدود جغرافيتها.

مضيق هرمز مثال بالغ الدلالة. فالمسألة لم تعد مجرد قدرة إيران على إغلاق المضيق أو تهديد الملاحة فيه، وإنما أصبحت تتعلق بقدرتها على إدخال الاقتصاد العالمي في حسابات أي مواجهة عسكرية معها. وهذه نقلة نوعية في مفهوم الردع؛ إذ لم يعد التهديد مقتصرًا على القواعد العسكرية أو المنشآت الإسرائيلية، بل امتد إلى المصالح الاقتصادية الدولية.

وقد أشار تحليل تشاتام هاوس في سبتمبر 2026 إلى أن الحرب كشفت حدود التفوق العسكري الأمريكي في ضمان أمن الخليج، وأن إيران استطاعت استخدام الجغرافيا والممرات البحرية لفرض تكاليف غير متناسبة مع قدراتها العسكرية التقليدية.
(…)

لكن هذا لا يعني أن إيران خرجت دون خسائر. فقد تضررت قدراتها الصاروخية والنووية والعسكرية، وتعرض اقتصادها لضغوط إضافية، كما تراجعت فاعلية بعض أدوات نفوذها الإقليمي. بل إن أحد أهم دروس الحرب أن استراتيجية الدفاع المتقدم، التي اعتمدت عليها طهران لعقود من خلال شبكة حلفائها، لم تحقق الردع الذي كان يفترض أن تحققه.

وهنا يظهر التحول الأهم،،، من الاعتماد على شبكة النفوذ الإقليمي إلى التركيز بصورة أكبر على أدوات الردع المباشر، وفي مقدمتها الصواريخ والمسيّرات والجغرافيا البحرية.

إيران، إذن، لم تصبح القوة التي تستطيع السيطرة على المنطقة، لكنها أصبحت قوة يصعب تجاوزها عند محاولة إعادة تشكيلها.

وهذا فارق بين الهيمنة والتأثير في قواعد اللعبة.
…

هل انتهت الحرب مع إيران؟

لا أميل إلى الاعتقاد بأن المنطقة مقبلة بالضرورة على تكرار الحرب التقليدية الواسعة التي شهدناها، لكنني لا أرى أيضًا أن إعلان انتهاء المواجهة أصبح حقيقة مستقرة.
..

هناك دوافع قوية لدى الأطراف المختلفة لتجنب حرب مفتوحة جديدةفالولايات المتحدة اختبرت تكلفة المواجهة، وإسرائيل اختبرت حدود قدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية حاسمة، وإيران تعرف بدورها حجم ما يمكن أن تتعرض له من خسائر إذا تجددت الضربات.

لكن تجنب الحرب لا يعني انتهاء الصراع.

بل ربما نكون أمام مرحلة مختلفة من إدارة الصراع، تتقدم فيها أدوات الضغط الاقتصادي، والحصار البحري، والعمليات الاستخباراتية، والهجمات المحدودة، ومحاولات إضعاف البنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية، دون الانزلاق بالضرورة إلى مواجهة شاملة.

والتطورات الأخيرة تؤكد ضرورة الحذر من الجزم باستبعاد الحرب.لذلك، لا أتعامل مع عدم اندلاع حرب واسعة جديدة باعتباره حقيقة مؤكدة، وإنما باعتباره احتمالًا استراتيجيًا تفرضه كلفة المواجهة وحدود القدرة على تحقيق أهدافها. والتمييز هنا مهم؛ لأن استبعاد الحرب تمامًا قد يكون خطأ تحليليًا لا يقل عن المبالغة في توقعها.

#الخليج #ومصر.. اختبار حدود التحمل

أحد أهم ما كشفته المواجهة، في تقديري، ليس القوة الإيرانية وحدها، وإنما هشاشة بعض الافتراضات التي قامت عليها معادلات الأمن الإقليمي.

دول #الخليج امتلكت ثروات هائلة، وبنية تحتية متقدمة، وعلاقات أمنية وعسكرية واسعة مع الولايات المتحدة، وأنفقت عشرات المليارات على التسليح. ومع ذلك، وجدت نفسها أمام معضلة مختلفة: امتلاك منظومات دفاع متقدمة لا يعني بالضرورة القدرة على حماية كل المنشآت والممرات والمصالح الحيوية من حرب استنزاف غير متكافئة.
..
لقد ظهر الفارق بين القدرة على اعتراض الصواريخ والمسيّرات، والقدرة على منع الخصم من إطلاقها أصلًا، وبين امتلاك مظلة أمنية دولية والقدرة على ضمان استمرارها في الظروف الاستثنائية.

وهذه ليست دعوة إلى التقليل من القدرات الخليجية، وإنما إلى إعادة تقييمها وفقًا لوظيفتها الفعلية وحدودها.

أما #مصر، فالمسألة أكثر تعقيدًا.
..
فمصر تمتلك مقومات جغرافية واستراتيجية لا يمكن تجاوزها، وتظل قناة السويس والبحر الأحمر وشرق المتوسط والارتباط بالأمن العربي عناصر مهمة في حسابات القوى الإقليمية والدولية. لكنها تواجه في الوقت نفسه قيودًا اقتصادية ومالية داخلية تؤثر في قدرتها على تحويل هذه المقومات إلى نفوذ استراتيجي متناسب معها.

وأعتقد أن المعضلة المصرية ليست غياب أدوات القوة، وإنما الفجوة بين ما تملكه الدولة من مقومات وما تستطيع توظيفه منها في بيئة إقليمية شديدة السيولة.

فالقوة لا تُقاس فقط بما تمتلكه الدولة، وإنما بقدرتها على استخدام ما تمتلكه، وتحمل كلفة استخدامه، والاستمرار في ذلك دون استنزاف بنيتها الداخلية.
..

وهنا يصبح الحديث عن أزمة الدور المصري أكثر ارتباطًا بأزمة القدرة على الحركة الاستراتيجية، وليس بمجرد غياب المبادرات أو التصريحات السياسية.

فالنفوذ لا تصنعه الجغرافيا وحدها، ولا التاريخ وحده، وإنما القدرة على تحويلهما إلى خيارات قابلة للتنفيذ.

لماذا قد تنتقل المواجهة إلى تركيا؟

هنا أصل إلى النقطة التي أراها الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة.

لا أستبعد أن تصبح #تركيا أحد الميادين الرئيسية للاختبار الاستراتيجي القادم، لكنني لا أقصد بالضرورة حربًا عسكرية مباشرة على الأراضي التركية، ولا أقول إن قرارًا بمواجهتها قد اتُّخذ بالفعل. إنما أقصد أن صعود الدور التركي، وتوسع أدواته، وقدرته على تعطيل بعض المشروعات الإقليمية، يجعل حدود القوة التركية مسألة لا بد أن تدخل في حسابات القوى المنافسة.

تركيا تختلف عن إيران في طبيعة مصادر قوتها.

فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك قاعدة صناعية وعسكرية متنامية، وقدرات بحرية وجوية، وصناعة دفاعية أثبتت حضورها، فضلًا عن موقع جغرافي يربط بين أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود وشرق المتوسط.

كما أن نفوذها لا يعتمد على أدوات عسكرية فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد والتجارة والطاقة والاتصال الجغرافي، وإلى قدرتها على بناء تفاهمات وتحالفات مع أطراف متباينة المصالح.

وهذا يجعل اختبار القوة التركية مختلفًا عن الاختبار الإيراني.

إيران اختبرت قدرتها على تعطيل التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي ورفع تكلفة المواجهة. أما تركيا، فإن اختبارها المحتمل يتعلق بقدرتها على حماية مجال حركتها الإقليمي، والحفاظ على استقلال قرارها الاستراتيجي، ومنع القوى المنافسة من محاصرة نفوذها أو تقليصه.

وقد بدأت بعض ملامح هذا التنافس تظهر بالفعل في إعادة تشكيل الشراكات الدفاعية الخليجية، وفي العلاقة مع سوريا والعراق، وفي التنافس على طرق التجارة والطاقة. وتشير قراءة تشاتام هاوس في يونيو 2026 إلى أن الحرب مع إيران فتحت أمام أنقرة فرصًا لتوسيع التعاون الدفاعي والاقتصادي مع دول الخليج، لكنها في الوقت نفسه وضعتها أمام تحديات جديدة تتعلق بإعادة تشكيل التوازن الإقليمي.
…

ولا أعتقد أن المواجهة التركية، إن حدثت، ستأخذ بالضرورة صورة الحرب التقليدية. فتركيا ليست إيران، وعضويتها في الناتو، وتشابك مصالحها مع أوروبا والولايات المتحدة، وتعقيدات المجال الجغرافي المحيط بها، تجعل حسابات المواجهة معها أكثر تعقيدًا.

وقد تكون ساحات الاختبار هي سوريا، والعراق، وشرق المتوسط، والملف الكردي، والتنافس على الممرات الاقتصادية، والضغط السياسي والعسكري غير المباشر.

لكن ينبغي ألا نحول هذا الاحتمال إلى نبوءة. فهناك أيضًا مصالح مشتركة بين تركيا والقوى الغربية والخليجية، وقد تدفع هذه المصالح إلى الاحتواء والتفاهم بدلًا من المواجهة.

..

ما أراه أننا أمام انتقال من مرحلة كانت فيها القوة الأمريكية كافية نسبيًا لضبط إيقاع الإقليم، إلى مرحلة أصبحت فيها القدرة على التعطيل وتحمّل الاستنزاف وإدارة التناقضات عوامل أكثر تأثيرًا في تحديد نتائج الصراعات.

وقد يكون هذا هو الدرس الأهم من الحرب الإيرانيةلم تعد المسألة فقط من يمتلك السلاح الأكثر تطورًا، وإنما من يستطيع الاستمرار، ومن يتحمل الكلفة، ومن يملك القدرة على منع خصمه من تحويل تفوقه إلى واقع سياسي مستقر.

وهنا أعود إلى ما حاولت طرحه في التنافس الإقليمي في الشرق الأوسط… ليست كل قوة قادرة على فرض إرادتها، لكن بعض القوى تستطيع منع الآخرين من فرض إرادتهم عليها.

والمنطقة التي كانت تبحث عن القوة القادرة على الهيمنة، ربما أصبحت أمام معضلة مختلفة تمامًا: قوى كثيرة تستطيع التعطيل، لكن لا توجد قوة تمتلك وحدها القدرة على إعادة بناء النظام الإقليمي.

وهذا تحديدًا ما يجعل المرحلة المقبلة أكثر تعقيدًا؛ لأن سقوط معادلة قديمة لا يعني بالضرورة ولادة معادلة جديدة، ولأن انكشاف حدود القوة الأمريكية والإسرائيلية لا يعني أن إيران أصبحت قادرة على ملء الفراغ، كما أن تراجع القدرة الخليجية على تحمل الصدمات لا يعني اختفاء دورها، ولا أن القيود المصرية تعني خروج مصر من الحسابات الاستراتيجية.

نحن لا ننتقل بالضرورة من هيمنة أمريكية إلى هيمنة إيرانية، وإنما ربما ننتقل من نظام كانت فيه القوة هي أداة فرض الإرادة، إلى نظام أصبحت فيه قوة التعطيل قادرة على منع الجميع من تحقيق أهدافهم.

وهذا، في تقديري، تحول لا يقل أهمية عن نتائج الحرب العسكرية نفسها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى