ميخائيل عوض يكتب : لبنان والعراق بين صاعق الحرب وتحولات النظام الدولي .. القيامة لبنان أولاً !!! العراق يتحضر ؟؟

لبنان والعراق بين صاعق الحرب وتحولات النظام الدولي
القيامة؛ لبنان أولاً !! العراق يتحضر؟؟
ميخائيل عوض / لبنان
التطورات المحلية في لبنان والعراق، واحتمالات مواجهة كبرى تقودها الولايات المتحدة و”إسرائيل” ضد إيران، في سياق تحوّل دولي أوسع.
*أولاً: خطاب دونالد ترامب… بين الاستعراض وانكشاف الانقسام*
إن خطاب “حال الاتحاد” أو خطاب الأمة الأخير لترامب والذي كان الخطاب الأطول لرئيس أمريكي لم يحمل مشروعاً أو رؤية استراتيجية متماسكة، بل عكس حالة تصاعد الانقسام الداخلي الأمريكي وتآكل الثقة بالمؤسسة السياسية، وفي حقيقته هو استمرار مقاربة “الرجل المجنون” التي يعتمدها ترامب.
وهو يقرأ حديث ترامب عن “تفضيل الحل السلمي مع إيران” كصيغة مشروطة بالاستسلام، لا كتسوية متكافئة.
إن استراتيجية ترامب تقوم تقليدياً على رفع سقف التهديد، وخلق مناخ أزمة هو ما يدفعه لفتح باب تفاوض من موقع الضغط.لكن الإشكالية هنا أن البيئة الدولية تغيّرت
روسيا ليست في وضع 2018
الصين أكثر حضوراً
إيران أكثر تشابكاً إقليمياً
وبالتالي فإن “نظرية الرجل المجنون” قد تصطدم بحدود القوة الواقعية.
وفي تعليق على خطاب الأمة لترامب أنه خطاب لا يحمل أي قيمة أو مشروع أو رؤية والتدقيق في ما قاله مجرد مضيعة للوقت.
*ثانياً: لماذا نسميها “حرب يوم القيامة”؟*
للتأكيد مرة أخرى أن الحرب العاصفة الكبرى التي نسميها “حرب يوم القيامة” واقعة لا محال ليس بفعل تحشيد ترامب ورغبة نتنياهو بالحرب بل بفعل الظرف الموضوعي والحتمية التاريخية
وهنا البعد الديني العقائدي، استراتيجياً لتسميتها بحرب يوم القيامة من حيث أنها
نهاية دورة زمنية وبداية أخرى
وهو هنا يزاوج بين الجيوبوليتيك، المادية التاريخية
أدبيات “نهاية الزمان”،وتحولات النظام العالمي
فأي حرب إقليمية تضم 7 جبهات وتمتد على مساحة ملايين الكيلومترات ويشارك فيها أكثر من 200 مليون إنسان، لن تبقى إقليمية وعندما تعصف في ذروتها النهائية ستكون حرب يوم القيامة.
وفي هذا السياق فنقد الرؤية التحليلية السائدة التي لا تتوقف عن طرح متتالية أسئلة عن التحشيد الأمريكي وقدرته على تدمير إيران وعن إمكانية إسقاط النظام فيها. ولكن
السؤال الاستراتيجي الأهم والذي تفرضه منطقية التحليل ومنهجيته التي يقرأ فيها كل الاحتمالات ولا يعيش تحت هيمنة موجة السردية السائدة هو ماذا لو فشلت أمريكا وإسرائيل؟ ماذا لو لم تُهزم إيران؟
هذا سؤال يغيب عن معظم النقاشات الإعلامية التي تركز فقط على نوعية الصواريخ،
عدد الطائرات،زمن الضربة النتائج البنيوية للنظام الدولي وشكل العالم بعد المواجهة. ويرى إنه في مرحلة التأسيس لدورة زمنية جديدة يتم التركيز على جبهة واحدة بينما هناك مسرحان يشتعلان ويجري تجاهلهما هو لبنان والعراق.
*ثالثاً: لبنان… مسرح الصاعق الأول المحتمل:*
لبنان وفق الطرح هو الصاعق الذي قد يشعل حرب يوم القيامة. هذه الرؤية نتيجة تراكم المؤشرات والأحداث الدالة؛ من القرار الذي فرضته السفارات الحاكمة في لبنان بتأجيل الانتخابات النيابية والتمديد لسنتين بعد كل الضغط الذي كانت تفرضه السفارات نفسها تلك لإجراء الانتخابات في موعدها. ويسأل لماذا هذا التحول في المواقف؟
إن خطة الوصاية الخارجية على لبنان كانت تفترض أنه بعد كل ما حصل للكتلة الشيعية بعد حرب الإسناد ستنفك عن الارتباط بقياداتها وأن الثنائي سيفقد قدرته التمثيلية الانتخابية وبالتالي كانوا يقرؤون المشهد القادم على قاعدة تجريد وخروج هذا التمثيل الوازن والمعيق لمشاريعهم، ولكن الصفعة الغير محسوبة كانت ببقاء الثنائي ممثلا لبيئته والدولة بل ومطالبا بإجراء الانتخابات في موعدها وقد حدد قوائمه الانتخابية وهذا يعني أن سلطة الوصاية لتنفيذ المشروع الأمريكي الإسرائيلي في لبنان لا يمكنها جر لبنان والجيش إلى حرب أهلية، فاندفعت للضغط باتجاه تأجيل الانتخابات التي لن تجري ليكون لديها الفرصة والقدرة على المزيد من التطاول والتعرض.
فالنقطة بالغة الأهمية تجلت في حشود الأمريكين التي غادرت بناء على توقع المخاطر في لبنان ليقول:
“لبنان تحت الاحتلال الأمريكي العسكري” ووجود بنية عسكرية أمريكية في قاعدة حامّات، هذه القاعدة الاستراتيجية المطلة على ساحل ممتد من لواء اسكندرون إلى غزة ويربطها بـ “السفارة الأمريكية في عوكر” والتي تشكل معها خط نار يدلل على شيء واحد أن أمريكا تتصرف في لبنان على أنها الدولة. في هذا السياق لمؤشر هام عن ما حصل من إدعاء أن القاعدة العسكرية رصدت طائرة مسيرة واستنفرت وطلبت من الأهالي عدم العودة إلى منازلهم وبعد ما تم تداوله عن أن هذه القاعدة تحت رصد المقاومة وإيران وستكون هدفا هو دليل على أن الصواريخ والمسيرات للمقاومة ستدخل الحرب حال الاعتداء على إيران.
وفق هذه المعطيات التي تكشفت بالنقد لسياسة الثنائي الذين حموا النظام والكيان وضمنوا بقاء وجوده ليسألهم ماذا كنتم تفعلون بينما الأمريكي يحتل لبنان؟ كيف قبلتم بتشريع وجود هذه الثغرة القاتلة؟ لماذا لم يكن تحرير لبنان من الاحتلال العسكري الأمريكي مدرجا على قائمة الأراضي والتلال والوديان التي انشغلتم بتحريرها؟
“هذا ما فعلته أيديكم وما أنتم شركاء فيه”.
*رابعاً: العراق… التفجير المؤجل*
إن العراق مسرح يتأهل للانفجار العاصف وربما يكون أكثر حساسية من لبنان لعدة أسباب الثروات النفطية
والموقع الجغرافي،
والانقسام داخل “الإطار التنسيقية الشيعية”
وفي هذا السياق إنه مع تراكم كل عوامل الخطورة الداخلية الواضحة من إبقاء العملية الدستورية معلّقة في ظل نظام محاصصة هش
وتعدد مراكز قرار، وما يعانيه العراق من اختراقات إقليمية ودولية، إضافة إلى خطورة الظرف الإقليمي والعالمي تظهر على السطح مشكلة أنها جاءت في غير وقتها ولا مبرر لها وهي عودة ملف الخلاف الحدودي مع الكويت
إن العراق تبحث عن سيادتها في الحدود -التي لا يعترف بمنطق وجودها أصلا – في الوقت الذي يحتل الأمريكي والتركي مناطقها الأكثر غنى وأهمية استراتيجية، ويحكم قبضته على كل منافذ القرار والسلطة.
ويربط ذلك بمحاولة تخليق بيئة انفجار عاصف ومن سبب غير ذي أهمية الهدف منه تفكيك الوجود الإيراني في العراق وجعله الخاصرة الرخوة الأخطر في بنية الاختراق الأمريكي لإيران.
*خامساً: فرضية “الوارث الثالث”*
لست أتوقع الحرب، بل هذا الاحتمال
ماذا لو خرج الطرفان منهكين؟
من هو الوارث؟ إن وريث النصر قد يكون من خارج محاور وكتل الصراع الأساسية.
فإذا اندلعت مواجهة إقليمية واسعة اليوم، فربما لا تسقط إيران،لا تُهزم أمريكا كلياً
لكن يظهر الوريث الأكثر صلابة.
بين لحظة الانفجار ولحظة التأسيس لحظة تاريخية تتكاثف فيها عناصر الانفجار تآكل الهيمنة الأمريكية، صعود قوى دولية جديدة، هشاشة البنى السياسية في لبنان والعراق، وإصرار إسرائيل على إعادة تعريف الجغرافيا بالقوة.
لبنان ليس مجرد ساحة، بل عقدة توازنات؛ والعراق ليس مجرد دولة نفطية، بل مفصل خرائط. وإذا اشتعل أحدهما، فلن يكون الاشتعال حدثاً محلياً، بل اختباراً لمعادلة الردع في الإقليم كلّه. لينتقل بنا السؤال من هاجس من يطلق الصاروخ الأول؟ إلى من يرسم العالم الذي يلي الصاروخ الأخير؟
إن أخطر ما في المرحلة ليس احتمال الحرب، بل احتمال ولادة وريث ثالث من رحم إنهاك الجميع. فالتاريخ يعلّمنا أن الحروب الكبرى لا تُنهي الخصومات فحسب، بل تُنهي عصوراً وتفتتح أخرى. قد لا يُهزم طرف هزيمة ساحقة، وقد لا ينتصر آخر نصراً حاسماً، لكن ميزان القوة سيتبدّل، ومفهوم السيادة سيُعاد تعريفه، وحدود النفوذ ستُكتب بمداد مختلف.
بين “حرب يوم القيامة” بوصفها استعارة لنهاية دورة، وبين واقع الجغرافيا الصلبة، تقف المنطقة على حافة انتقال كوني إما إعادة إنتاج الوصايات بأشكال أكثر خشونة،أو انبثاق تعددية قطبية أكثر رسوخاً،أو فوضى ممتدة تفتح الباب لوريثٍ ثالث لا يشبه أطراف الصراع.
في مثل هذه اللحظات، لا يكون الرهان على الصواريخ وحدها، بل على الوعي وعي الشعوب بطبيعة التحوّل،وعي النخب بحجم المسؤولية، وعي القوى بأن النار، إذا اشتعلت، لن تعترف بالحدود التي رسمتها الخرائط.
قد تكون الحرب قادمة، وقد تُؤجَّل.
لكن المؤكد أن زمن ما قبلها يلفظ أنفاسه الأخيرة.
وأن الشرق، بكل تناقضاته، يقف على عتبة تقرير ما سيكون عليه العالم… لا ما سيكون عليه وحده.
🖋 ميخائيل عوض