
الولايات المتحدة ليست جمعية خيرية. وإسرائيل ليست فاعل خير، يفعله ثم يرميه في البحر. وبالتالي، يجب أن نتحلى ببعض العقل والمنطق عندما نبدأ بتوجيه الهجوم والسباب واللعنات إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، لأنهما تهدمان الدول فقط، وتشعلان الحروب الأهلية فيها، وتتركانها بدون الديمقراطية الموعودة، والسلام والتقدم المأمولين.
يبدو أننا مشغولون للغاية بأن نأخذ من كلام واشنطن وتل أبيب لندينهما ونلعنهما، لدرجة أننا نوجه ونفقد طاقة ضخمة من اتزاننا وتركيزنا في الإدانة والشجب وتوجيه اللعنات والشكوى المرة والمريرة من الظلم وغياب العدل. فهل هناك أحد يقول إن “السياسة الكبرى فيها عدل؟!”. هل قال أحد ما في يوم ما إن “القوى الكبرى ما هي إلا جمعيات خيرية وفاعلو خير ودكاكين لإغاثة الملهوف؟!”.
والغريب أننا نريد أن تأتي الولايات المتحدة أو غيرها، لتغيير النظام وإشاعة الديمقراطية وإقرار السلام السياسي والاجتماعي، وربما تكوين أحزاب وإقامة برلمان، وربما أيضا المشاركة في الانتخابات… قد يرد البعض على هذا الكلام، بأن الولايات المتحدة نفسها هي التي تعطي الوعود قبل تدخلها أو عدوانها.. وقد يرد البعض الآخر بأن لا أحد يريد من هذه القوة الإمبريالية الاستعمارية أي شيء، وعليها أن تتركنا وشأننا. فهي التي تتدخل وتمارس البلطجة والعدوان، وتعطي الوعود الكاذبة، وتدمر الدول دون أن تقدم الديمقراطية وحقوق الإنسان!!!
كلام منطقي للغاية. ولكن من قال إن الولايات المتحدة مشغولة بإقامة الديمقراطية، والحياة النيابية، وحقوق الإنسان في العراق أو أفغانستان أو فيتنام أو ليبيا أو اليمن أو السودان أو إيران، حتى لو أعلن البيت الأبيض ذلك، وأقسم بالطلاق على صدقه وإخلاصه؟! قد تكون إقامة الديمقراطية وبقية منافعها ومساراتها أحد الأهداف أو “الشعارات” التي تطلقها أي قوة تنوي التدخل في دولة أخرى، ولكن يجب أن نفهم أنها لا تقصد بالضبط نفس الديمقراطية التي نتخيلها وننتظر أن تحققها لنا، ونجلس لننتظر، وننتقدها لأنها لم تكن صادقة وأخلفت الوعد!!!
خلاصة القول، الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا جمعية خيرية. وتدخلات أي منهما أو كلتاهما في الدول الأخرى، هي من أجل مصالح وأهداف محددة ليس من بينها إقامة الديمقراطية ولوازمها. وهذا واضح من تدخلات وتحركات الولايات المتحدة تحديدا. وهو ما نصفه نحن في نهاية المطاف بهزيمة الولايات المتحدة في فيتنام، وأفغانستان، والصومال، وليبيا، والسودان ويوغسلافيا، واليمن وإيران، ولبنان وووووو
لأدري أي هزيمة، ولا أعرف ما هو المقصود بالهزيمة هنا!! بل وأحيانا يُقال إن الولايات المتحدة فشلت في تحقيق اهدافها، وفشلت في تحقيق الديمقراطية، وخدعت الشعوب المغلوبة، وخدعت عملاءها الخونة…. عن أي فشل يدور الحديث؟ عن الفشل من وجهة نظرنا؟ أم عما نفهمه من مناقشات مجلسي الكونجرس للتحقيق والتحقق من سير العمليات العسكرية التي يجريها البيت الأبيض في الدول الأخرى، وهذا تقليد وإجراء طبيعي يحدث في سياق الديمقراطية الأمريكية؟
المسألة ببساطة أن الولايات المتحدة تسعى لتحقيق مصالحها حصرا، وبطرق وأدوات مختلفة ومتنوعة.. ومرة أخرى، هي ليست جمعية خيرية. وبالتالي، فهي تحقق أهدافا معينة في أفغانستان أو في فيتنام أو في العراق أو في الصومال، ثم تغادر وتترك الوضع كما هو عليه، من حيث الفوضى أو الحروب الأهلية أو الدمار، وربما تبقى لتواصل حملتها من أجل تحقيق أهداف إضافية.
وبالتالي، من مصلحتنا أن ننسى حكاية أن الولايات المتحدة وعدت وأقسمت بالطلاق أنها ستزيل النظام، وستقيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في إيران.. فهل أقامتها في فيتنام أو افغانستان أو الصومال؟!!! من مصلحتنا أن ننسى هذا اللغو والكلام الفارغ، ولا نتوقف عنده كثيرا ونتعلق به كدليل على بلطجة أو عدم مصداقية أو خيانة الولايات المتحدة. لا ينبغي أن نخترع أشياء، ونفهم أشياء بطريقتنا، ثم نحولها إلى مظلومية، ونرفعها ونلف وندور بها بين البكاء والندب والعويل، والبرهنة الدائمة والمستمرة على أن الولايات المتحدة كذا وكذا وكيت!!!
الولايات المتحدة، هي الولايات المتحدة، وستظل كما هي. بالضبط مثل روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، وغيرها من الدول ذات الطموحات الاستعمارية والتوسعية. كل ما في الأمر، أن الولايات المتحدة تتمتع بقدر هائل من الوقاحة والبلطجة والتكنولوجيا المتقدمة والقدرات المالية والاقتصادية والعلمية. بينما الدول الأربع الأخرى تفعل ما تفعله الولايات المتحدة لكن بنوع من المرونة و”المحبة”، وخلف أقنعة مبتسمة، وشعارات “إنسانية” فخمة ورنانة. والمسألة تعتمد على اللوبيات والطوابير الخامسة التي تكونها كل دولة!
هذا الكلام لا علاقة له بالمظلومية إطلاقا. إنه يتوخى هدفًا آخر تمامًا. وأعتقد أن الهدف واضح ومفهوم. وبالتالي، فنحن بالفعل أمام عملية تدمير لإيران. ولنقل ما شئنا، ولنكرر ما قلناه عن أفغانستان وفيتنام والعراق وليبيا واليمن والصومال.. ولنكرر أيضا كل كلامنا الفارغ حول النصر والانتصار، والعزيمة والخلود.. ولنفلسف الهزائم والفشل والخبل وقلة الحيلة… لنبرر الفقر والجهل والقمع، ونرفع الشعارات الجميلة، ونواصل اللغو والغباء، وانتظار أن يفعل أحد ما، شيئا ما، من أجلنا.
لقد كتبتُ كل هذا الكلام، لكي أقول ببساطة إن ما يجري هو تدمير إيران والقضاء عليها. وهذا الكلام لا ينبغي فهمه بشكل عصبي وميكانيكي، أو فهمه كالعادة بأنه يعني إبادة إيران ومسحها من الخريطة… إن الكلام يدور عن إيران أخرى تماما، سواء كانت دولة فاشلة، أو دولة تشتعل فيها حرب أهلية، أو دولة تم تجريدها من قدراتها العلمية والتقنية.. وهذا لا علاقة له بإسقاط نظام الملالي من عدمه. فهذا موضوع آخر، وعملية أخرى…
غياب إيران كدولة، وربما كقوة كان لها دور في توازنات إقليمية ما، سيترك فراغًا من جهة، وسيمنح كلا من إسرائيل وتركيا مساحات أكبر… وإسرائيل وتركيا لديهما مسارات خاصة، وأجندات تتعلق بطموحات معينة، من قبيل التوسع قليلا، أو مد النفوذ والسيطرة بعض الشيء. وبالتالي، فدول الخليج ومصر في وضع يثير الكثير من التساؤلات!! وذلك على الرغم من أن جميع هذه الأطراف تقريبا على علاقة مع بعضها البعض (مصر وتركيا وإسرائيل ودول الخليج). ولكن هذا لن يمنع ظهور محاور وتحالفات جديدة، أو صراعات ومنافسات ذات طبيعة خاصة، أي ظهور مشهد آخر مختلف نسبيا عما كان عليه الوضع قبل “سقوط” إيران.
فما هو وضع مصر في هذا المشهد، وهل ستتصرف مصر بمفردها – كمحور- ضمن هذه المحاور؟ وما هو وضع المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر، وهل ستتصرف كل منها بمفردها أم ستتصرف كدول مجلس التعاون الخليجي- كمحور؟!
والسؤال الأخير: ما هي الفوائد (المصالح) التي يمكنها أن تجنيها مصر من هذه الأحداث والتحولات، خاصة وأنها دولة لا تسعى لمد نفوذها خارج حدودها باستخدام السلاح أو الجيش، ولديها علاقات مع جميع الأطراف المذكورة أعلاه، كما أنها تمتلك مساحة لا بأس بها من المناورة وحرية التحرك بين كافة القوى الكبرى شرقا وغربا؟