رؤي ومقالات

وليد عبد الحي يكتب :المشهد الاقتصادي للحرب في الشرق الاوسط

بعدان اساسيان في المشهد الاقتصادي في حرب الشرق الاوسط بين امريكا واسرائيل وايران ، وبينهما الساحة العربية، البعد الاول هو “النفط “ والثاني هوالسلاح:
اولا النفط :
تتمثل المشكلة الاولى في ان ايران بلد منتج كبير للنفط ،ومعه دول الخليج ، ويسيطر على مضيق هرمز الذي يمر منه 20% من البترول للاسواق العالمية، ومع اشتعال الحرب وسيطرة ايران على المضيق وتراجع كبير في كميات النفط للاسواق الدولية( رغم مزاعم ترامب) ،وضرب منشآت نفطية ومصافي وناقلات في اكثر من بلد ، ادي الامر الى التداعيات التالية:
أ- نقص العرض من البترول في الاسواق الدولية بسبب الاضطراب السياسي(كحرب الخليج الحالية) وخفض الانتاج من الدول النفطية الهامة خاصة، وتعطل الامدادات ، وهو ما يعني اتوماتيكيا ارتفاع الاسعار للنفط، وهو ما يترتب عليه ان كل سلعة يدخل النفط في انتاجها (وسائل النقل البري والبحري والجوي) و(كل انواع الصناعة) و (كل مصادر الكهرباء ) و(الزراعة -من تكلفة الحراثة الى النقل الى التوزيع الى الاسمدة …الخ)، وكل ما سبق يقود الى ظاهرة ما يسمى التضخم المدفوع التكاليف ((Cost-push Inflation
ب-من منطلق التداعيات ، يقود التضخم الناتج عن ارتفاع اسعار النفط الى قيام البنوك المركزية برفع اسعار الفائدة ، وفي هذه الحالة يقود رفع اسعار الفائدة الى انخفاض اسعار السندات لأن فائدة السندات القديمة(قبل ازمة النفط) تعطي مردودا اقل من السندات ذات الفائدة العالية، لذا تكون النتيجة تراجع اسعار السندات وبدء دورة من تقلبات الاسواق المالية.
ج- العلاقة مع قيمة الدولار: هناك احتمالات ثلاثة:
1- تعزيز قيمة الدولار بسبب اسعار الفائدة المتصاعدة ،فإذا ادى التضخم الى رفع الفائدة (من قبل الاحتياطي الفيدرالي الامريكي) فان الاصول المقومة بالدولار تصبح اكثر جدوى،فيتدفق راس المال العالمي للسوق الامريكي،وهو ما يقود لارتفاع اسعار الدولار.
2-زيادة الطلب على الدولار بسبب تجارة النفط المقوم اصلا بالدولار في اغلب تجارته(او ما يسمى البترودولار)، فارتفاع سعر البرميل يجبر الدول للبحث عن الدولار لتغطية نفقات شراء البترول،وهو ما يعزز الطلب العالمي على الدولار، فيرتفع سعره
3-لكن ما سبق لا ينفي احتمال معاكس ، إذ ان ارتفاع اسعار النفط الى مستويات قياسية سيقود الى تباطؤ في الاقتصاد العالمي مما يجر معه تراجع معدلات الطلب على الاصول الامريكية ،وهو ما قد يترك اثرا سلبيا على قيمة الدولار.
خلاصة هذا البعد ان الحلقة تدور على النحو التالي: نقص العرض من النفط(بسبب الحرب وارتفاع تكاليف النقل والتأمين ) يقود لارتفاع اسعاره ،وهذه ترفع تكلفته – فيرتفع التضخم -مما يقود لرفع اسعار الفائدة- وهذه تجر معها انخفاضا في اسعار السندات وهذه تزيد الطلب على الدولار .
ويؤدي ارتفاع اسعار النفط الى نقل الثروة من الدول المستهلكة الى الدول المنتجة(لان حجم ما يصل لبائع النفط يتزايد بقدر كبير)،وهو ما يعزز القوة الجيوسياسية للدولة النفطية ، لكن ذلك قد يقود الى اعادة تدوير الفوائض النفطية في الاسواق المالية بخاصة الامريكية والاوروبية، وهو ما يقود الى “تدويرالبترودولار”.، ولكن إذا استمر ارتفاع اسعار النفط لفترة طويلة ،فان الامر يمهد لتضخم عالمي يقود لتباطؤ اقتصادي او حتى ركود،(كما حدث في سبعينات القرن الماضي)، ولكن ذلك قد يتغير كليا ،وهو مرهون ب:
1-اذا جرى تسعير النفط بغير الدولار ،وتزايد ذلك تدريجيا
2-ان يتم تحويل الاحتياطيات من السندات الامريكية الى اصول غير امريكية(كالصين أو غيرها).
3-ما سبق يقود الى انشاء نظم مالية موازية، وهو ما يجر انخفاض الطلب العالمي على الدولار وتراجع الطلب على السندات الامريكية ،ومعها ترتفع تكاليف تمويل الدين الامريكي ، وكل ذلك يضع النظام المالي الامريكي برمته تحت ضغط شديد جدا، ومن هنا تتضح المخاوف الامريكية من بعض التكتلات الدولية مثل البريكس، وهو ما قد يقود -إذا اكتملت دورته- الى نهاية البترودولار.لكن ذلك مشروط بما سبقت الاشارة له.
البعد الثاني: تجارة السلاح:
من المعروف ان المجمع العسكري الصناعي الامريكي (كما سماه ايزنهاور) هو احد ابرز آليات صنع القرار في الولايات المتحدة، وهو يضم شركات انتاج السلاح والبنتاغون وملحقاته اضافة الى مراكز الابحاث الاستراتيجية وبعض اعضاء الكونجرس من المساهمين في تمويل الصناعات الحربية. وتستفيد هذه الاطراف من اشعال الحروب لانها تقود الى رفع ميزانيات الدفاع مع زيادة في الطلب على السلاح وتسريع برامج التحديث العسكري ،وينتهي كل ذلك في جيوب شركات عملاقة مثل لوكهيد مارتن او رايثويون تكنولوجي او نورثروب او بوينغ..الخ.
ولا يقتصر الامر على البعد الاقتصادي في شراء السلاح ،فهو يزيد من نطاق النفوذ السياسي للدولة المنتجة للسلاح نظرا للاعتماد عليها في تحصين القوة العسكرية للدولة المنخرطة في النزاع، وكثيرا ما تم ربط مبيعات السلاح باشتراطات اقتصادية،ويمكن اعتبار ترامب من الاكثر ربطا للموضوعين ببعضهما.
الدلالات:
قد يكون من مصلحة ايران زيادة الضغط على السوق النفطي واحتياطياته باطالة امد الازمة، هنا يصبح المردود الاقتصادي لامريكيا دون المطلوب وقد ينطوي على نتائج سلبية كبيرة كما اشرنا، لكن ذلك يشترط تناغم حلفاء ايران معها في هذا المسعى اكثر فاكثر، لكن تصويت مجلس الامن الدولي امس عزز ما سبق ان اشرنا له في مقالات سابقة عن تنامي النزعة البراغماتية لدى روسيا والصين ، فقد امتنعت الدولتان عن التصويت لاسترضاء طرفي المعادلة، رغم ان قرارات مجلس الامن لم تعد بذاك الثقل المعنوي او المادي الا في حدود ضيقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى