رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :الفراغ النظيف

” ”
الذين يراهنون على سقوط النظام الايراني لاجل التخلص من نفوذه في العراق يحلمون بالابيض والاسود وبفراغ نظيف، وان حلم السلام الداخلي الذي سيحل هو حلم ابليس بالجنة لان تركيبة العراق الاجتماعية المعقدة والمركبة لا تسمح بهذا الفراغ الاسطوري لهذا الصنف من الحالمين الذين تعرفنا عليهم في مقالات وبيانات قبل احتلال العراق عام 2003 حتى كتب احدهم مسلسلات عن اليوم الاول والثاني والثالث بعد الاحتلال وفي اليوم الرابع يبدأ تاريخ جديد ولحظة مختلفةــــــــ هذا ما كتبه حسن العلوي.
لحقه عبد الرحيم الرهيمي بمقال حالم في جريدة” المؤتمر” أيضاً عن الايام ال 3 بعد سقوط النظام ــــــــــــــ عكس ايام الخلق الــ 6 ــــــــــــ في تداعي النظام وقيام ديمقراطية لا مثيل لها في الشرق وتبع هؤلاء كثيرون ومن المفارقة ان اغلبهم من توابيت القوميين وشيوخ اليسار ومن الشيوعيين التائبين عن الجماهير والاشتراكية وايام المزبن الذين يبحثون عن فرصة تلميع مساميرهم الصدئة.
بل هدد أحدهم ــــــــــــــــــ الأعسم ــــــــــــ بأنه سيتحدث ” من الحزام فما تحت” لكل معارضيه ومن غير المستغرب ان يقضي كاتب عراقي حياته ـــــــــــ تجاوز الثمانين عاما ـــــــــــــ يراقب المختلفين معه بناظور أسفل الحزام ومن ثقوب غرف النوم بدل مناقشة افكارهم وكتابة مذكرات عن تجربة قرن تنفع الاجيال، يذكر بقول جورج أورويل في رواية 1984″ انت متمرد من الخصر الى الأسفل”.
كما لو انه لا زوايا اخرى للاختلاف والتفكير ولا فلسفة ولا علوم ولا مدارس تفكير غير مراقبة أسفل الخصر وهذه خلاصة تجربة حياة لان السياسي العراقي عندما يهرم يرجع الى لغة الزقاق وحانات الحثالات وينسى لغة السياسة والثقافة لانها لطش وغير متجذرة.
لكنها الطريقة الشائعة عند هؤلاء الثورجية في التعامل مع المختلفين في الرأي نتيجة الافلاس الفكري والثقافي والاخلاقي ونهاية السرديات الكبرى لان الحوار المعرفي يتطلب وعيا نظيفا وثقافة ومعرفة لان الثقافة تتراكم بالحوار والاختلاف وحتى في التطابق المثمر.
كنا في ذلك الوقت ـــــ كما اليوم وغداً ــــــــــــــ ننغص عليهم أحلامهم ونبكي في عرس الشيخ ونبشرهم بصراع أهلي مسلح وانفجار المكبوت والممنوع والمقصي والمخفي وخروج الضغائن من السراديب النفسية الى العلن وقد يتطور الامر الى حرب اهلية وجاء ذلك في اربع روايات وعشرات المقالات قبل الاحتلال لم يتم الرد والنقاش حول عبارة او كلمة فيها عدا لغة حثالات الحانات في الشخصنة التي لا تحتاج كفاءة ولا معرفة ولا موهبة.
لغة السياسة لغة الاحتمالات والتوقعات والفرضيات وليست لغة يقينيات قاطعة جازمة ومن هذا المبدأ المعرفي نقول في حال سقوط النظام الايراني سيدخل العراق في صراعات أهلية وصراعات هويات وجماعات بسبب عوامل كثيرة كالجغرافية، السياسة، والدين، الطوائف، السلاح، البطالة، الأحقاد الدفينة، مصالح الجوار والنزعات المحلية في الانفصال والهيمنة الامريكية.
من ملأ ” الفراغ السوري” و” الفراغ الليبي” و” الفراغ العراقي”؟ مجتمعاتنا لا تتغير أو تتطور بالانقلابات والعواصف السياسية والحروب بل بالتدرج وعكس ذلك ننتقل من وضع كارثي الى أسوأ لان المجتمع ليس هياكل جاهزة تهدم ثم يعاد تشكيلها كلعب مكعبات الاطفال وقد تجبر العواصف والانقلابات والحروب الناس على سلوكيات محددة خوفاً لكنها لا تستطيع اقناعهم والاقناع نتاج رغبة وبطء وتدرج وليس اكراهاً.
إن ما يطلق عليه البعض بنهاية” الوكلاء” لايران، سيمتليء بوكلاء من عشرات القوى القومية والاسلامية والانفصالية وصراع عنيف على السلطة والثروة حتى بين ابناء الطائفة الواحدة وبروز المنظمات الارهابية أو حتى تحريكها اذا تطلب الامر لتبرير التواجد الامريكي كمخلص كما في السابق.
سيكون العراق امريكيا واسرائيليا وتركيا وخليجيا وكل منطقة يحكمها” وكلاء” جدد ، وهناك دول جاهزة مجاورة لملء الفراغ ودخول العراق في دوامة صراعات لا تنتهي.
من يحلم بالابيض والاسود ويلغي كل المساحات الرمادية الهائلة ويفكر ان التاريح يمشي بشكل خطي كما يحلم ، في بلد بلا مؤسسات عريقة تملأ الفراغ، عليه مراجعة احلامه اذا كان قادرا على ذلك لان هذا الصنف يبني توقعات وسيناريوات حسب تفكيره الرغبي وأحلامه كما لو يحلم في غرفة بيضاء معقمة شفافة وليس في مجتمع عراقي يستعصي على التوقع وتحركه عناصر محلية خارج كل سياق ومنطق وتسلسل بل صدف وحماقات ونزوات وافعال فردية قد تشعل حريقا لان العراق دغل تناقضات يابس وعود ثقاب يكفي لحريق.
لا يزال العراق تحت تأثير تجربة الاحتلال ولم يحدث الاستقرار المنشود بل على العكس من الدكتاتورية الى الفوضى ولا تملك النخب السياسية والتيارات الحزبية اليوم فرصة بناء دولة وطنية خارج مناطق النفوذ بلا وكلاء ولن يحل السلام الخرافي في مجتمع يعج بتناقضات عدائية حادة خفية وعلنية.
من يريد ان يحلم بالابيض والاسود فليحلم وهؤلاء يبحثون عن” رؤية قاطعة” ومفاتيح سحرية ولسنا بحاجة للتذكير بالبديهيات في ان الواقع لا يخضع للرغبات وان السباحة في بحيرة تماسيح سياسية عملية انتحارية. وكما قيل : ” التاريخ يعلمنا أن الذين ينامون على أحلام وردية، غالباً ما يستيقظون على كوابيس.”
عام 2000 وفي رواية ” عزلة أورستا: سرقوا الوطن، سرقوا المنفى” حوار بين شخصية يوسف البابلي والراوي عن مستقبل ما بعد الدكتاتورية. يقول البابلي:
” قلت يوما ليوسف البابلي:
ـ “قد لا نجد يوما وطنا أو حائطا نتكئ عليه. سيحرقه” الطاغية” ويرحل”.
في غمرة نشاف الريق والقهر و الحزن المتراكم والغضب النبيل، قال يوسف:
ـ” هذا أحسن”.
” لماذا، يوسف؟”
ـ” لكي لا نجد أنفسنا غرباء يومذاك مرة أخرى في وطن مستعار ومسروق. الجبناء على الأبواب كضباع الفطايس . هؤلاء في الانتظار. يومها بدل أن تفتح أبواب الأمل، ستفتح أبواب السجون وتحت أسماء ورايات جديدة. لن تتغير سوى العناوين والموت واحد. هذه النخب الفاسدة غير قادرة على إدارة مشروع التغيير الحقيقي بل عاجزة حتى عن مشروع دواجن”.
مفهوم النخب الفاسدة ورد قبل ثلاث سنوات من الاحتلال يوم كان النظام قائماً والمعارضة في الخارج ولم يقع الاحتلال ولم يسرق الوطن بعد. وفي عبارة أخرى :
” اذا كنتم تمثلون المستقبل، فستكون جلودنا أحذية” أليس هذا ما حدث؟
من الصعب جداً بل من الخطر أن تحلم وتفكر لحسابك الخاص في مجتمعات التطابق والنسخ والتشابه لأن وجهة النظر تتحول الى” انحراف” و” خيانة” تهدد التفكير الخطي والاحلام الزائفة الوردية التي تنتهي غالبا بحمامات دم ويتحول نقد الاشخاص والاحزاب الى نقد المقدسات وهي معركة أخرى يخوضها المختلف كضريبة لأن القطيع يلجأ ، بدل الحوار المعرفي، الى وسائل رخيصة في التشهير والاغتيال المعنوي بدل مناقشة الفكرة نفسها بسبب عطب معرفي واخلاقي وثقافي.
نحن اليوم أمام احتمالات ما قبل الاحتلال لأن التركيبة السياسية والاجتماعية والحزبية والعقلية والمصالح نفسها لم تتغير.
ـــــــــــــــ رواية” عزلة أورستا: سرقوا الوطن، سرقوا المنفى” صدرت عام 2000 قبل الاحتلال. أورستا بلدة نرويجية صغيرة عشت فيها من عام 1993 ــــــــــــــ 2005 في عزلة كانت مراجعة تامة خاصة وللتاريخ العراقي خارج السرديات الشائعة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى