
في الشرق الأوسط، لم تعد المعركة فقط على الأرض، بل على تعريف الواقع نفسه.
من هو الإرهابي؟ ومن هو الفاعل الشرعي؟ ومن يملك حق إصدار هذا الحكم؟
الإجابة التي تحاول الولايات المتحدة فرضها واضحة:
هي من يقرر… وعلى الجميع أن يلتزم.
في هذا السياق، يتكرر الضغط الأمريكي لتصنيف الحرس الثوري الإيراني وحزب الله كمنظمات إرهابية، مع تحذيرات مبطنة وصريحة للدول من عواقب عدم الامتثال.
هذه ليست مجرد سياسة… بل بلطجة أمريكية مكتملة الأركان.وهي إعادة صياغة للعالم وفق تعريف واحد، ورؤية واحدة، ومصلحة واحدة.
لكن الأخطر من ذلك هو الغطاء الذي يمنح لهذا المسار.
إذ تقف إسرائيل في قلب المعادلة، تمارس على الأرض “إجرام منظم”، في ظل حماية سياسية وعسكرية أمريكية شبه مطلقة. هنا يظهر التناقض الفج: من يمارس القوة بلا قيود، يملك أيضًا حق تعريف “الإرهاب”.
في المقابل، يتعامل بعض الخطاب العربي مع ما يحدث في إيران بنوع من الشماتة، وكأن أي ضغط عليها هو انتصار بحد ذاته.
هذا المنطق، رغم بساطته الظاهرية، يحمل قدرًا كبيرًا من القصور. نعم، سياسات #إيران في سوريا ولبنان والعراق كانت محل خلاف، لكنها لا تجعل من أي استهداف خارجي لدولة في الإقليم حدثًا يُحتفى به.
المعادلة الحقيقية ليست “إيران على حق أو باطل”، بل: هل نقبل أن تُدار المنطقة بمنطق الإملاء الخارجي؟ وهل تتحول “مكافحة الإرهاب” إلى أداة لإعادة تشكيل الخرائط السياسية؟ الموقف الأكثر اتزانًا ليس الدفاع عن إيران، ولا تبرئة سياساتها، بل رفض هذا المنطق بالكامل: رفض أن تتحول الخلافات الإقليمية إلى مدخل لإعادة إنتاج الهيمنة، ورفض أن يصبح الإجرام مبررًا طالما أنه يأتي تحت مظلة القوة.
استهداف القواعد الأمريكية في منطقة الخليج.
ثلاث زوايا لقراءة الحدث
الزاوية الإيرانية: “نستهدف القواعد الأمريكية فقط”
إيران تؤكد أن ضرباتها تأتي دفاعًا عن النفس، ردًا على استخدام واشنطن لأراضي خليجية لشن هجمات على إيران. كما شددت على محاولة تجنب الأهداف المدنية، مع الدعوة لتشكيل لجنة تحقيق مشتركة لتحديد طبيعة الأهداف.
زاوية دول الخليج: بين الاستهداف المباشر والرفض للانجرار إلى الحرب
الضربات الإيرانية على أراضيها تضع دول الخليج أمام اختبار وجودي. فبينما ترغب في الحياد، يُفرض عليها التعامل مع واقع جديد، حيث يصبح التصنيف الإيراني كـ”معتدٍ” ناشئًا من تجربة مباشرة وليس مجرد استجابة لإملاء خارجي.
زاوية التحليل الجيواستراتيجي: “الضغط يولد تشققات في الخريطة الذهنية”
الضربات الإيرانية تمثل تحولًا نوعيًا من تهديد إيراني بالوكالة إلى ضرب مباشر على مصالح أمريكية في الخليج. هذا يدفع دول الخليج عمليًا نحو الاصطفاف في مواجهة طهران، ويعيد تعريف من هو “العدو” في الوعي الإقليمي، من نزاع نفوذ إلى تهديد وجودي مباشر.
الواقع الجديد يجعل السؤال القديم أكثر تعقيدًا: من يملك سلطة تعريف الإرهاب؟ الضربات الإيرانية على القواعد الأمريكية لا تحسم الجدل، بل تُعمّقه:
العدسة الأمريكية: عدوان إيراني يستدعي الحشد الدولي، ويعزز ضغوط تصنيف الحرس الثوري وحزب الله كمنظمات إرهابية.
العدسة الخليجية: تهديد وجودي مباشر يفرض إعادة النظر في السياسات، مع الحفاظ على مسافة من الانجرار الكامل للحرب.
العدسة الإيرانية: دفاع مشروع عن السيادة ضد قواعد عسكرية تستخدم لضرب إيران.
هنا يبقى الخطر الحقيقي ليس في الخصوم فقط، بل في من يملك سلطة تعريف الخصومة نفسها.
المطلوب بوصلة أخلاقية واستراتيجية موحدة توجه الخرائط المتعددة نحو اتجاه واحد:
رفض الهيمنة مهما كان مصدرها
الدفاع عن السيادة مهما كان الثمن
نصرة الحق أينما كان
مواجهة الظلم أياً كان مرتكبه.
السياسة ليست مجرد قائمة كراهية موحدة، بل فن ترتيب الأولويات. وبدون بوصلة كهذه، سنظل ندور في فلك الهيمنة الخارجية، نقرأ واقعنا بعيون غير عيوننا، ونحدد أعداءنا بقوائم لا نملكها.