فيس وتويتر

حسام السيسي يكتب :بين الكلفة والموقف: هل كفّرت إيران عن ذنوبها ؟

كنت وما زلت أتعامل مع ما يجري في الإقليم من زاوية مختلفة قليلًا عن السائد؛ زاوية تحاول أن تزن الأمور بميزان الكلفة السياسية والاستراتيجية، لا بميزان الانحيازات المسبقة أو الذاكرة الانتقائية.
في هذا السياق، لا يمكن إنكار أن ما تمارسه الولايات المتحدة وإسرائيل من إجرام تجاوز حدود الصراع التقليدي إلى نمط من إدارة القوة الخشنة بلا سقف واضح؛
ضربات، تهديدات، ومحاولات إعادة ضبط الإقليم وفق تصور أحادي لا يترك مساحة حقيقية لتوازن مستقر.
لكن في المقابل، تبرز #إيران كلاعب يدفع كلفة مرتفعة في هذه المواجهة،كلفة لا يمكن قراءتها فقط من زاوية الخلافات السابقة معها، بل من زاوية ما تمثله الآن داخل معادلة الردع الإقليمي.
وهنا تحديدًا تظهر الإشكالية.
هل يعني ذلك تبرئة إيران من كل ما سبق؟
الإجابة ببساطة: لا.
التجربة العربية مع السياسات الإيرانية—في سوريا والعراق ولبنان—لا يمكن محوها،ولا يمكن القفز فوقها بخطاب عاطفي أو ظرفي.
لكن في المقابل، السياسة ليست محكمة أخلاقية تصدر أحكامًا نهائية،بل هي فن قراءة اللحظة وإعادة ترتيب الأولويات وفق ما يفرضه الواقع.
في لحظات الصراع الكبرى، لا تُقاس المواقف بالشعارات،
بل بما يدفعه كل طرف من ثمن.
إيران اليوم لا تخوض معركة خطاب،
بل تتحمل كلفة مباشرة—عسكرية، اقتصادية،
وسياسية—في مواجهة إجرام أمريكي إسرائيلي مركّب.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله:
هل يمكن فصل هذا الثمن عن إعادة تشكيل ميزان الردع في المنطقة؟
بمعنى آخر:
حتى لو اختلفنا مع إيران في ملفات عديدة،
هل يمكن إنكار أن هذه المواجهة تعيد فتح هامش حركة إقليمي كان مغلقًا بالكامل؟
في المقابل، يبدو المشهد العربي—وكأنه خارج المعادلة الفعلية.
ليس لأن هذه الدول “ضعيفة” بالضرورة،
بل لأن جزءًا منها اختار موقع المراقب أو المتكيّف بدلًا من موقع الفاعل.
وهنا لا تكمن المشكلة في “غياب المواجهة”،
بل في غياب الرؤية المستقلة التي تحدد موقع هذه الدول داخل الصراع.
فالفراغ في السياسة لا يبقى فراغًا،
بل يُملأ دائمًا بقوى أخرى.
أخطر ما في هذه اللحظة هو الوقوع في أحد تطرفين:
إما إنكار كل ما فعلته إيران سابقًا
أو تجاهل كل ما يحدث الآن لأنها “خصم سابق”
وكلاهما قراءة ناقصة.
الواقعية السياسية تفرض مسارًا ثالثًا:
فهم التحول دون تبرير الماضي،
وقراءة الحاضر دون إنكار الذاكرة.
ما يحدث اليوم لا يتعلق بإعادة تأهيل طرف،
ولا بإدانة طرف آخر فقط،بل بإعادة تشكيل معادلة كاملة في الشرق الأوسط.
#إيران لا “تكفّر عن ذنوبها” بالمعنى الأخلاقي،
لكنها—موضوعيًا—تدفع كلفة عالية في صراع يعيد رسم حدود القوة في الإقليم.
وفي المقابل، لا يكفي أن تراقب الدول العربية المشهد،
لأن من لا يحدد موقعه في لحظة التحول…
سيجد نفسه داخل معادلة صاغها الآخرون.
في النهاية، السياسة لا تُدار بمنطق: من نحب ومن نكره،
بل بمنطق: من يفعل… ومن يملك أن يغيّر المعادلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى