
في اليوم الـ 19 للحرب الإيرانية، حدث ما كان يتوقعه الخبراء العسكريون والمتخصصون في العلوم الجيوسياسية. حدث ذلك أيضا قبل نحو 10 أيام من انتهاء فترة الأسابيع الأربعة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء عملياته العسكرية ضد إيران.
اليوم هاجمت إسرائيل أكبر ميناء بحري إيراني على بحر قزوين. لكن الأهم من ذلك، أن مثل هذه الضربة التي وجهتها إسرائيل، بالتعاون مع الولايات المتحدة، تعد خطوة مهمة لكشف ظهر إيران، وتعرية مسارات التجارة المشروعة وغير المشروعة، والرسمية وغير الرسمية، لإيران مع دول أخرى، أهمها بطبيعة الحال روسيا.
بحر قزوين، الذي يعرف ببجر “الخزر”، يجمع بين 5 دول هي روسيا وإيران وأذربيجان وكازاخستان وتركمانستان. وتمكنت روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي من توقيع اتفاقيات مع جميع الدول على تقسيم قاع البحر، ما عدا إيران. وعلى الرغم من أن هذا الموضوع يسبب صداعًا حقيقيا في العلاقات، إلا أن جميع الدول الخمس اتفقت على استخدام سطح البحر وفق القوانين الدولية من دون أي خلافات.
أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق. ولكن كلها لم تعد ضمن النفوذ الروسي. فتركمانستان أعلنت نفسها دولة محايدة، وخرجت عن سياق الصراعات والمنافسات والأحلاف، لكنها ترتبط بعلاقات متينة مع روسيا في مجالات الأمن والطاقة. ويمكن أن نخمن أن موسكو تتحكم نسبيا في الحفاظ على أمن النخبة الحاكمة الموالية لها لأسباب كثيرة.
كازاخستان تناور بين روسيا والصين والولايات المتحدة. وهناك ابتعاد تدريجي ومحسوب عن روسيا في اتجاه الصين أولا، ثم الولايات المتحدة.
بينما أذربيجان ابتعدت بمسافات كبيرة للغاية عن نفوذ روسيا. إضافة إلى مشاكلها وأزماتها المزمنة مع إيران.
في هذه المنطقة التي كانت تعتبر حديقة خلفية لروسيا، ظهر النفوذ التركي والإيراني. وكلما ضعفت روسيا تزايد نفوذ طهران وأنقرة واتسع في كل من العالمين الفارسي والتركي.
هناك خلافات كبيرة بين الدول الخمس المطلة على بحر قزوين. وبنشوب الحرب الأوكرانية قبل 5 سنوات، واستمرارها حتى الآن، استطاعت روسيا وإيران التوافق حول صيغة تعاون متعددة الأوجه والمسارات، سواء في مجال الأسلحة أو الطاقة. ونحن هنا لسنا بصدد الدخول في تفاصيل بشأن تهريب وتجارة الأسلحة والصفقات المشبوهة والسرية. إذ يمكن الاطلاع على ذلك في تقارير كثيرة لكبريات الصحف العالمية ومراكز الأبحاث الرصينة والجادة.
الولايات المتحدة وإسرائيل، تكشفان اليوم ظهر إيران من ناحية بحر قزوين. وليس ذلك فقط، بل تقتربان من حدود روسيا. بينما تتهم روسيا في الأيام العشرين الأخيرة الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو بأنها تحارب روسيا وتهاجمها من الجناح الغربي، ولا تذكر أي شيء لا عن إسرائيل ولا عن الولايات المتحدة. بل ذهبت التصريحات الرسمية الروسية إلى إدانة الدول الأوروبية في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
خلاصة، القول، روسيا تواصل الحرب الخاصة بها، سواء في أوكرانيا، أو مع الدول الأوروبية، أو في السعي للحصول على أكبر مكاسب ممكنة مما يسمى بـ “أزمة الطاقة” التي يجري النفخ فيها بشكل مثير للسخرية، ومثير للعاب المضاربين والدول التي تسعى لمكاسب خاصة وإدارة صراعات ودق أسافين للحصول على المزيد من المكاسب، وحل أزمات ومشاكل خاصة بها.
في كل الأحوال، الحرب الأمريكية الإيرانية لم تبدأ بعد. وستبدأ بشكل حقيقي وواقعي بنهاية مارس الجاري، عندما تظهر النتائج الحقيقية والواقعية للأسابيع الأربعة الأولى التي قطعت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل تدمير قدر كبير من الإمكانيات والقدرات الإيرانية، واستخدام إيران كرأس جسر للتماس مع روسيا من جهة، وإرسال رسائل بخصوص الحرب الروسية الأوكرانية من جهة أخرى، وخاصة على محور مهم وغير تقليدي، ألا وهو بحر قزوين.
قد تظهر تصريحات روسية نارية وتهديدات جبارة من جانب موسكو. ولكن لا أحد يعرف بالضبط ما سيجري على أرض الواقع. وأعتقد أن فتح جبهة بحر قزوين، ستخفف الضغط نسبيا على جبهة الخليج العربي ومضيق هرمز. وهناك إشارات لا بأس بها بأن الولايات المتحدة يمكنها أن تنهي أزمة مضيق هرمز بنهاية مارس الحالي او حتى منتصف أبريل المقبل. ولكن إنهاء أزمة هرمز لا علاقة لها بانتهاء الحرب التي لم تبدأ بعد. وستكون حربا محدودة وليست واسعة النطاق، ولا حربا عالمية، ولن يتم استخدام أسلحة نووية إطلاقا فيها. إضافة إلى أن أزمة الطاقة ستنتهي تقريبا بحلول نهاية شهر أبريل المقبل.
لكن الحرب مع ذلك ستستمر على محاور أخرى للتأكد من القضاء المبرم على القدرات الإيرانية من جهة، وإعداد مواقع ومسارات على أنقاض الدولة الإيرانية لمواجهة “الجيران الجدد” لكل من إسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى.