رؤي ومقالات

ميخائيل عوض يكتب : التصعيد بلغ حافة النووي .. !!!

التصعيد بلغ حافة النووي  .!!

ميخائيل عوض  / لبنان

ليست كل الحروب تُقاس بنتائجها المباشرة، بل بلحظة التحول التي تفقد فيها الأطراف قدرتها على تعريف النصر. في هذه اللحظة تحديداً، تتحول الحرب من أداة لتحقيق السياسة إلى عبء وجودي يهدد صانعيها قبل خصومهم. ما نشهده في اليوم العشرين من هذه المواجهة ليس مجرد تصعيد عسكري، بل انتقال بنيوي من “حرب أهداف” إلى “حرب مأزق”، حيث تتآكل الفرضيات التي انطلقت منها العمليات، وتتفكك معها منظومة القرار.
في هذا السياق، نعتبر أن ما يجري لم يعد قابلاً للفهم بأدوات التحليل التقليدي، لأن ميزان الصراع لم يعد يُقاس بحجم القوة، بل بقدرة الأطراف على تحمّل الزمن، وإدارة الخسائر، ومنع الانزلاق إلى الكارثة الكبرى.

*أولاً: انهيار فرضية الحسم – من الهجوم إلى التورط*
دخلت إسرائيل الحرب وفق نموذج كلاسيكي قائم على استراتيجيتها التقليدية من
الضربة الصادمة والتفوق الناري
والتدمير لشلّ البيئة الحاضنة،
ثم فرض تسوية سريعة
لكن النتائج الميدانية أظهرت العكس إذ فشلت العمليات البرية في تحقيق اختراق في البنية المؤسساتية الصلبة لإيران، وظهرت محدودية تأثير الاغتيالات على البنية القيادية،
حيث استمرت وتصاعدت الفعالية القتالية للمقاومة،
كما عجز العدوان عن تفكيك البيئة الاجتماعية.
وهنا يظهر التحول الحاسم
لم تعد الحرب وسيلة لفرض شروط، بل أصبحت محاولة مستمرة لتفادي الانهيار.
بالنسبة لـ بنيامين نتنياهو، لم يعد السؤال “كيف ننتصر؟” بل “كيف لا نخسر؟”، وهو أخطر تحول يمكن أن يواجهه صانع قرار في زمن الحرب.

*ثانياً: معضلة الإدراك – فشل فهم بنية الخصم*
“لن تفهموا إيران” بهذه العبارة  ومسار الهزيمة التراكمي والحتمي للعدوان.
حيث كشفت الحرب عن فجوة عميقة في فهم طبيعة الخصم، إذ تعامل العقل العسكري الأمريكي والإسرائيلي مع إيران ككيان قابل للتفكيك عبر
استهداف القيادة،والضغط الاجتماعي، والتوحش في التدمير البنيوي
لكن هذه المقاربة اصطدمت بثلاث خصائص بنيوية للمقاومة وفق التحليل .
– *العقيدة:* القتال ليس خياراً سياسياً عند الإيراني  بل التزام وجودي.
– *المؤسساتية اللامركزية المنظمة* : القيادة قابلة للاستبدال دون انهيار.
– *الولائية:* التي تؤدي لإعادة إنتاج الراديكالية بعد كل اغتيال لشخصية براغماتية. كل ضربة تولّد تصعيداً نوعياً في هذا الإطار، لا يؤدي اغتيال القيادات إلى تفكيك البنية، بل إلى إعادة تشكيلها على نحو أكثر صلابة.
ويُفهم ذلك في سياق النظام الإيراني بقيادة مجتبى خامنئي اليوم، حيث تتجذر المؤسسات في بنية عقائدية تتجاوز الأفراد.

*ثالثاً: الجغرافيا المؤجلة – العراق ساحة حسم واضحة*
تطرح القراءة فرضية محورية مفادها أن الحسم لم يدخل بعد إلى مسرحه الحقيقي.
إذ يمثل العراق، بحكم موقعه الجغرافي ووزنه الديموغرافي، ساحة قادرة على إحداث “صدمة استراتيجية” في حال تفعيلها. فالحروب، رغم تطور أدواتها، تبقى في جوهرها صراعاً على الأرض، حيث يُحسم ميزان القوى عبر السيطرة الميدانية لا عبر القصف الجوي وحده.
والسؤال :  لماذا التأخر في تفعيل هذه الجبهة الحاسمة؟ إن تفعيل الجبهة العراقية يؤدي إلى
إعادة توزيع الضغط عن لبنان،
وتعميق الاستنزاف الإسرائيلي والأميركي، وخلق بيئة حسم إقليمي لا يمكن احتواؤها تؤدي حتما لخروج أمريكا من المنطقة.

*رابعاً: لبنان – عودة معادلة الردع غير المتكافئ وقلق التهديد الوجودي*
يُظهر الأداء الميداني في لبنان عودة إلى نمط قريب من حرب لبنان 2006، ولكن بشروط أكثر تعقيداً من حيث ظهور دقة أعلى في الاستهداف، قدرة على الاستمرارية والتصعيد و
الفعالية في استنزاف العمق الإسرائيلي.
ما يجعل هذه الجبهة ليست مجرد ساحة دعم، بل محوراً أساسياً في إعادة تشكيل ميزان الردع.
في المقابل، يكشف الداخل اللبناني عن انقسام حاد بين
سلطة رسمية مرتهبة ومرتهنة للقرار الأمريكي والإسرائيلي حكومة عاجزة فقدت شرعيتها وهي بانتظار اتصال من أبو عمر أميرها المزيف الذي اختار مسؤوليها ولكنه لن يتصل.

والكتلة الاجتماعية المقاومة الولائية والمنظمة التي ترفض التنازل وتصر كما كانت على التحرير والكرامة والسيادة.
إن  موقف وليد جنبلاط زعيم الكتلة الدرزية في لبنان الذي يعكس مؤشراً على أن التوازنات الداخلية لا تسمح بتمرير تسويات بمعزل عن مكونات أساسية في المجتمع. فجنبلاط كان حاسما في تأكيد أن لا قرار سيمر من دون موافقة الثنائي الشيعي وقبل تحقيق الشروط الخمسة لاتفاق وقف إطلاق النار.

*خامساً: تفكك الغطاء الدولي – حدود القوة الأمريكية*
شكّل الدعم الأمريكي الركيزة الأساسية للاستراتيجية الإسرائيلية، لكن المؤشرات الحالية توحي بتآكل هذا الغطاء.
يظهر دونالد ترامب كفاعل متردد، تحكمه اعتبارات داخلية وخارجية متناقضة تتلخص في:
– ضغوط داخل المؤسسة الأمريكية
– تردد الحلفاء الأوروبيين
– إحجام القوى الإقليمية عن الانخراط
هذا التراجع لا يعني انسحاباً فورياً، لكنه يشير إلى فقدان القدرة على فرض مسار الحرب، ما يترك إسرائيل وحيدة في مواجهة مفتوحة مع بيئة استراتيجية معادية.

*سادساً: التصعيد نحو النووي القذر – من التحكم بالمسارات إلى المخاطرة بانفلات استراتيجي*
أخطر ما في التحليل  أن التصعيد بلغ حافة النووي.
يكتسب هذا المحور بعداً مفصلياً، لأنه ينقل الحرب من مستوى “التصعيد المحكوم” إلى حافة الانفلات الاستراتيجي. لم يعد الحديث عن استخدام السلاح النووي التقليدي، بل عن سيناريو أكثر تعقيداً وخطورة تتمثل بتحويل المنشآت النووية المدنية إلى أدوات ابتزاز أو ساحات اشتباك غير مباشر.
وفي هذه النقطة التي شكلت محور القراءة والتحليل

1. *منطق “النووي القذر”: التعريف والاختلاف*
النووي القذر هنا لا يعني قنبلة نووية بالمعنى الكلاسيكي باستعمال صاروخ نووي أو الاستهداف بسلاح نووي، بل
عبر إصابة مفاعل نووي أو منشأة تحتوي مواد مشعة
أو تعطيل أنظمة التبريد والحماية بما يؤدي إلى تسرّب إشعاعي واسع النطاق.
الفرق الجوهري أن القنبلة النووية تعني تدمير فوري ومباشر أما النووي القذر هو كارثة بطيئة، ممتدة، وغير قابلة للاحتواء بسهولة.
وهذا ما يجعله أخطر في السياق الإقليمي، لأن تأثيراته
عابرة للحدود وطويلة الأمد
وتصيب المدنيين والبنى الحيوية معاً.

2. *بوشهر: عقدة الخليج الحساسة*
إن  خطورة  الاستهداف لـ مفاعل بوشهر النووي، ليس فقط بوصفه منشأة إيرانية، بل باعتباره
يقع على الساحل الخليجي
وهو قريب من التجمعات السكانية و مرتبط بمنظومة طاقة إقليمية. وبالتالي
أي إصابة مباشرة أو حتى خطأ تقني في محيطه  سيؤدي إلى
كارثة تؤدي إلى تلوث مياه الخليج،شلل في إمدادات الطاقة، تسرب إشعاعي غير قابل للاحتواء وتهديد مباشر لدول المنطقة والخليج خاصة.
وهنا تتحول الحرب من صراع إقليمي إلى كارثة جيو-بيئية تمس الاقتصاد العالمي، خصوصاً مع ارتباط الخليج بأسواق النفط والطاقة.
3. *ديمونا: الهشاشة غير المعلنة*
في المقابل، هناك  سيناريو موازياً يتعلق بـ مفاعل ديمونا، الذي يختلف في طبيعته عن المفاعلات الإيرانية فهو أقدم وأكثر عرضة للتآكل و
يقع في بيئة مكشوفة نسبياً
محاط بكثافة سكانية وجغرافيا حساسة.
الطرح الأخطر هنا ليس استهدافه المباشر فقط، بل
إصابة محيطه أو البنية المرتبطة به لإحداث أثر إشعاعي دون إعلان حرب نووية
هذا النوع من “الضربات الرمادية” يسمح
بتوجيه رسالة ردع قصوى
دون تجاوز العتبة النووية التقليدية، لكن النتيجة الفعلية تعني تلوثاً يمتد إلى فلسطين والأردن وربما أجزاء من مصر وشمال الجزيرة العربية.

4. *من الردع إلى الابتزاز المتبادل*
يتجاوز فكرة الضربة إلى منطق جديد في الصراع حيث تتحول المنشآت النووية إلى رهائن استراتيجية
بمعنى أن كل طرف يلوّح ضمنياً بـ: القدرة على إحداث كارثة
دون الحاجة لاستخدام سلاح نووي تقليدي.
وهذا يخلق معادلة خطيرة
الردع لم يعد قائماً على التوازن
بل على القدرة على إلحاق ضرر كارثي غير مضبوط.

5. *خطأ واحد يعني كارثة إنسانية تاريخية*
أخطر ما في هذا المسار ليس القرار السياسي فقط، بل في
خطأ التقدير أو حتى إصابة غير مقصودة الذي قد يؤدي إلى
انفجار إشعاعي، أو تسرب غير مسيطر عليه، وهنا تفقد الأطراف السيطرة، وتتحول الحرب إلى حدث بيئي-عالمي يتجاوز كل الحسابات العسكرية.

6. *القرن الحادي والعشرون: حروب نووية دون قنابل نووية*
وهنا  استنتاجاً بالغ الأهمية فالحروب النووية في القرن 21 قد لا تُخاض بالقنابل… بل بالمفاعلات
أي أن أي استهداف للبنية النووية أو تهديدها،أو اللعب على حافتهاقد يصبح بديلاً عن الاستخدام المباشر للسلاح النووي.
وهذا يعكس تحولاً عميقاً في الحرب ينقل النووي من “الردع المتبادل المؤكد”إلى “المخاطرة المتبادلة غير المحسوبة”
وبالتالي نحن أمام انتقال خطير
من حرب بلا سقوف يمكن احتواؤهاإلى صراع قد ينتج كارثة إشعاعية إقليمية
وهنا تحديداً تكمن خطورة اللحظة التي فهي
حافة لا تفصل بين الردع والكابوس… بل بين الحساب والخطأ.

*سابعاً: عامل الزمن – معادلة الصبر الاستراتيجي*
في هذه المرحلةالخطيرة من الحرب، يتقدم عامل الزمن على باقي عناصر القوة. والسؤال من يملك القدرة على الاستمرار؟
المؤشرات تفيد بأن محور المقاومة يمتلك:
– عمقاً جغرافياً متعدد الساحات
– قدرة على تعويض الخسائر
– مرونة في إدارة التصعيد

في المقابل، تواجه القوة المعتدية:
– استنزافاً بشرياً واقتصادياً
– ضغطاً داخلياً متزايداً
– تراجعاً في الدعم الخارجي

وهذا يضعها في موقع الطرف الذي يواجه الزمن لا الذي يوظفه.

  إن
هذه الحرب تقترب من لحظة مفصلية، حيث تتقاطع ثلاثة مسارات خطرة:
– مأزق استراتيجي إسرائيلي-أمريكي  بلا مخرج واضح
– تصاعد تدريجي نحو حافة نووية غير تقليدية
– إعادة تشكّل ميزان القوى على أساس الصبر لا الصدمة

في هذا السياق، لا يبدو أن نهاية الحرب ستُحسم بضربة قاضية، بل عبر عملية استنزاف طويلة تعيد تعريف مفاهيم النصر والهزيمة. الأخطر أن الأطراف، كلما اقتربت من حافة الخسارة، قد تميل إلى رفع سقف المخاطرة، ما يجعل العالم بأسره شريكاً غير مباشر في هذه المواجهة.

والأخطر أنه كلما اقتربت إسرائيل وأمريكا من الهزيمة، اقترب العالم من حافة كارثة نووية غير تقليدية.

🖋 ميخائيل عوض

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى