كتاب وشعراء

هذا النصّ لا يصلح للحب…..بقلم محب خيري الجمال

لم أدخل حبّ (س) من الباب،
اقتحمته كما تُقتحم فكرة محرّمة،
مرةً واحدة فقط، ثم لم أخرج.
منذ السطر الأول
أدركتُ أن هذا النصّ لا يصلح للحب:
كلماته حادّة، ربما ركيكة، أو مستعملة
وهوامشه مراقَبة،
وقلبه يكتب واقفًا
كمن ينتظر استدعاءً لا يأتي.
كانت (س) خطأً في حياتي اليومية:
في طريقي إلى الخبز،
في نشرة الطقس،
في ضجيج الحافلة التي لا تعترف بالحبّ
لم تأتِ كحلمٍ ناعم،
جاءت كواقعٍ زائد عن الحاجة ومستحيل الحذف.
منذها صار قلبي جهاز إنذارٍ معطّل،
يصرخ في اللحظات الخطأ
ويصمت حين يجب أن ينجو.
اللغة خانتني أمامها؛
كل الكلمات بدت قديمة،
مستعملة، كأنها قالت كل شيء إلا ما يحدث الآن.
وهذا النصّ يعرف ذلك،
(س) ليست اسمًا،
هي خللٌ جميل في نظام الأشياء،
حرفٌ انفلت من الأبجدية وصار يمشي وحيدًا.
كلما حاولتُ إعادته إلى السطر
اتّسع البياض، وسقط المعنى من يدي
ككأسٍ لم يتعلّم التوازن.
نصّ كهذا لا يحتمل أسماءً كاملة،
يكتفي بالحروف كي لا يُدان.
أحببتُ (س)
كما يُحبّ المنفيّ نافذته دون أن يفتحها.
وكما تُحبّ الشجرة ظلّها
وهي تعرف أنه أول من سيغادرها عند الغروب.
كانت تقول لي: لا تثق بالنجاة، إنها فكرة متأخرة.
وكان صوتها يشبه الحكمة حين تتعب من الفلاسفة
وتقرر أن تمشي حافية.
حتى الحكم في هذا النصّ تتعثّر.
في حضورها كنتُ أرتكب نفسي.
أخلع الموروث عن كتفي كمعطفٍ ثقيل،
وأترك العائلة في غرفة الانتظار،
والمدينة خارج النص،
والعادات في الهامش
تراجع أخطاءها الإملائية.
كانت (س) تضحك
فيختلّ ميزان العدل، وتنهار القواعد
التي تربّى عليها الخوف.
وهذا النصّ لا يحاول إصلاح شيء.
بين (س) وعينيّ لا يقف سلاحٌ واحد،
بل تاريخٌ كامل يتدرّب على التصويب.
الأصابع التي تعلّمت العدّ تعلّمت أيضًا الضغط،
والأغاني التي كبرت في الحناجر
استُبدلت بتعليمات.
حتى الذاكرة ارتدت خوذة، وصار الماضي أكثر انضباطًا
من اللازم.
الحبّ هنا فقرة محذوفة.
قالوا: هذا النصّ لا يصلح للحب.
مشوّش، غير مرخّص، ويُهدد السردية العامة.
ضحكت (س)
فضحك الفراغ،
وقالت: دعهم، نحن لا نطلب وطنًا،
نريد فقط مسافةً عادلة بين القلب والقرار.
حتى الطلب في هذا النصّ مشروط.
كل اقترابٍ منها
كان استجوابًا للفكرة التي اسمها أنا.
وكل لمسة تُسقط قناعةً وتزرع شكًّا أكثر صدقًا من الإيمان.
تعاهدنا على كأسٍ لا يشبه الطقوس،
واحترقنا في حرارة الشفاه، وخرجنا من النار
أصغر سنًا
وأكثر ذنبًا.
هذا النصّ لا يقدّم خلاصات.
لكن العالم كان أذكى من قلبين.
كلما اقتربنا تكاثرت الخرائط،
وصارت الطرق تتربّص بنا من الداخل.
حتى الصمت صار له قانون،
وحتى الحلم طلب بطاقة تعريف.
كنست المدينة المغنّين، وتركت لنا إيقاع الأقدام
وحده. الحبّ لم يجد مكانًا للجلوس.
في اللحظة التي فهمتُها خسرتها.
هكذا تفعل الحقائق حين تُمسَك.
تحوّلت (س) إلى فكرة،
والفكرة إلى سؤال،
والسؤال إلى صمتٍ
أكثر فصاحة من الخطب.
وهذا النصّ يتغذّى على الصمت.
الآن كلما مررتُ على المرآة لم أرَ وجهي،
رأيتُ أثرها يحاول أن يتعلّم العيش وحده.
كلما كتبتُ خرج الحرف (س)
من بين السطور كحيوانٍ بريّ يرفض التدجين.
نصّ كهذا لا يُروّض.
ليست قصتي معها حكاية حبّ. إنها تجربة فكرية
فشلت بنجاح.
برهانٌ صغير على أن القلب حين يفكّر
يصبح خطرًا،
وحين يحبّ يُفسد النصّ قبل أن يكتمل.
ثمّ حدث ما لا يُروى.
لا انفجار،
لا دموع،
ولا مشهد أخير يصلح للتأبين.
(س) لم ترحل.
هي فقط توقّفت عن أن تكون ممكنة.
في تلك اللحظة
فهمتُ لماذا هذا النصّ لا يصلح للحب:
لأن الحبّ يحتاج مستقبلًا،
وهذا النصّ يعيش على الحافة.
أعدتُ قلبي إلى مكانه كأداةٍ حادّة
فقدت سبب استخدامها،
وأقفلتُ الفكرة عليّ من الداخل.
منذ ذلك اليوم وأنا أعيش حياةً طبيعيةً جدًا:
أضحك في الوقت المناسب،
أصافح بيدٍ دافئة،
وأحمل في صدري جريمةً كاملة يصعب كشفها
لأن الضحية لم تكن (س)،
ولا أنا،
بل الاحتمال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى