
تميَّز الفن الإيطالي بالمزج الإبداعي المُشرق ما بين الموروث الكلاسيكي الروماني واليوناني، والروحانية الدينية، والنزعة الإنسانية.. كما اتسم بالواقعية، والتجسيم، والتركيز على التفاصيل التشريحية متفرِّداً عبر عصوره، وخاصة – عصر النهضة – بالأناقة.. التناسق.. التوازن.. والإتقان التقني، معتمداً على قواعد المنظور والضوء والظل، ليتجسَّد ذلك في أعمال ليوناردو دافنشي وميكيل أنجيلو..
وهنا أبرز الفنان العالمي “ماركو غراسي” في أعماله روح فناني عصر النهضة وإبداعهم، وكانت رسوماته حيَّة نابضة بالجمال والرِّقَّة في أسلوب (السفوماتو)، التي أتقنها بطريقة مُحدثة أظهرت “وجوه وأجساد وأوردة ومسامات شخوصه وأصابعهم.. إلخ” بدقة متناهية ووصف بديع. كذلك رسم على ملامح وجوههم “ابتسامات هادئة.. نظرات حالمة.. وادعة.. إلخ”.
وإذا تتبعنا أعماله بتمعُّنٍ نرى النظرة الفنيَّة الدقيقة المُتعمِّقة بشغف فوق المعتاد في التفاصيل، وتقنية السفوماتو المتماشية مع القرن الحادي والعشرين عن طريق انتقالاته الدقيقة في كلِّ جزء من اللوحة، ما خلق تدرُّجات لونيَّة مُتأنِّية وطبيعية للغاية لدرجة أقرب إلى الواقع والصور الفوتوغرافية العالية الدقة، ما أثار دهشة المُتفرِّج لشدَّة براعته باستخدام تحوّلات الألوان بين منطقة وأخرى فلا يشعر المشاهد بتغيُّر اللون مع وجود تفاصيل مذهلة ومتعبة في الوقت ذاته داخل مسامات البشرة البارزة وغيرها من التفاصيل.
ومن المعروف أنَّ تقنية التظليل التدريجي الحقيقية بسفوماتو صعبة للغاية، وقيمة الألوان الزيتية المنتشرة في القرن الخامس عشر بإيطاليا كانت أكثر ملائمة للطريقة التي اعتمدها الفنان الكبير ليوناردو دافنشي، وقد عمل هنا ماركو على وصف الشخصية وتجسيدها ببراعة مع الاهتمام بتتبع نسيج اللحم البشري وجزئيات الوجه من “نمش وشامات”، وغيرها من فوارق يهتمُّ بها العاملون في سلك الشرطة لتتبع المجرم.. كما اهتمَّ الفنان بالتغيُّرات الطارئة على جسم الإنسان وشخصيته، لهذا رسم الناس في لحظةٍ من التحوّل حتى تصبح أجسامهم استعارات وتعبيرات مجازية عن مفاهيم مختلفة، وعن العلاقة والتوازن الهشِّ بين الإنسان والطبيعة وتطور الأشكال البشرية، بالإضافة إلى مرونة الإنسان كونه محور بحثه الفني.
وبهذا تتجاوز أعمال الفنان ماركو حدود التعريف التقليدي للواقعية المفرطة، لأنه يعتقد أنَّ تجسيده لجوهر المرأة وإيجاد توازن وانسجام على اللوحة وجعل الشكل ساحراً هو أهم عامل بالنسبة له.
إنَّ “ماركو” يأخذ شخصياته في وضعيَّات مختلفة ودراسات أكاديمية وصياغات معقَّدة جداً، ويربطها بالعواطف البشرية والمعاني الإنسانية وتوزيع الضوء المعتمد على التوازن والتناغم والعلاقات القائمة بين الظلِّ والنور في حساسية عالية، كما يهتمُّ بإضاءة العيون لإعطاء الصورة بريقاً وجمالاً أخَّاذاً، ويتحكَّم بمساحة الظلال وشدَّتها وشكلها وتوزيعها ببراعة فائقة.
ولد “ماركو غاسي” سنة (١٩٨٧) في ميلان بإيطاليا، وأولع بالفن منذ طفولته، ونشأ مُحاطاً برسامي إيطاليا الأوائل من خلال مهنة جدِّه الصغيرة في جمع التحف الرائعة من أواني الخزف الصينية التي أخذته إلى عالم آخر من الدقَّة والجمال في شمال إيطاليا.
ومع مرور السنين أيقظت هذه الأجواء لديه حبَّ الفن أكثر، وكانت الشرارة الأولى ليتابع دراسته الجامعية، ويُحوِّل عمله الفني إلى مهنة ضمن حبٍّ عميق لذا انكبَّ على دراسة أساليب الرسم الكثيرة للفنانين الأوائل.
ومع مرور الوقت صحَّح واتَّبع تلك الأساليب، ثم أعاد صياغتها من جديد بطريقة مُستحدثة كي يبدع لنفسه أسلوباً فريداً ولمساتٍ معاصرةً.
ومن هنا شغف بالواقعية الشديدة وتفاصيلها المتنوعة في بُعدٍ شفَّافٍ وتأثيرٍ مُبهرٍ.
نداء الدروبي
سوريا