تقارير وتحقيقات

النووي الأمريكي لحل معضلة هرمز الإيراني

كتب:هاني الكنيسي
نقلت وكالة ‘بلومبرغ’ اليوم عن مسؤول في البيت الأبيض أن الجيش الأمريكي دمر 44 سفينة إيرانية لزرع الألغام في مضيق هرمز تمهيدًا للسيطرة “الوشيكة” على الملاحة في المعبر البحري الاستراتيجي.
ربما ليست المرة الأولى -ولن تكون الأخيرة- التي تمرر فيها إدارة ترمب رسائل عن نية واشنطن فتح مضيق هرمز بالقوة وعن إمكانية تحقيق ذلك “بسهولة” وفي وقت وجيز، برغم تضارب تصريحات الرئيس البرتقالي نفسه حول “عدم أهمية” الشريان البحري (المسؤول عن مرور خُمس تجارة العالم من النفط) بالنسبة للولايات المتحدة “المستغنية” عن نفط الشرق .. إلى حد أنه دعا الدول “المتضررة” (يقصد أوروبا وحلفاء الناتو الذين خذلوه في الحرب على إيران) بالذهاب إلى المضيق وجلب البضاعة (النفط) بأنفسهم – على طريقة نور الشريف مع أخويه في فيلم “العار”!!
لكن من بين جميع التحليلات السياسية والتنظيرات العسكرية لخيارات الاستيلاء على مضيق هرمز بالقوة (وبعضها خيالي في تفاصيله ومستلهم من أفلام رامبو)، لم يستفزني أكثر من “السيناريو” الذي طرحه رئيس مجلس النواب الأمريكي السابق ‘نيوت غينغريتش’ في منشوره على ‘إكس’، بشأن إمكانية “توظيف الخيار النووي” لتخطي عقبة هرمز، والذي يقول نصًا: “بدلاً من خوض معركة لا تنتهي على ممر مائي ضيق عرضه 21 ميلاً، شققنا قناة جديدة عبر أراضي حليفة. باثنتي عشرة تفجيراً نووياً حرارياً، أصبح لدينا ممر مائي أوسع من قناة بنما، وأعمق من قناة السويس، وآمن من الهجمات الإيرانية”.
وقد أرفق الحليف الجمهوري “المخلص لترمب” بتدوينته المنشورة بتاريخ 15 مارس، رابطًا لمقالٍ وصفه بأنه “ساخر”، دون أن يُوضّح مدى اقتناعه شخصيًا بوجاهة الفكرة “النووية”.
ورغم شطط الطرح، فإن ‘غينغريتش’ لم يأتِ به من خيال جامح، لأن فكرة إنشاء قناة مائية جديدة لنقل النفط من الشرق الأوسط ظهرت للمرة الأولى مع تعطل الملاحة في شريان التجارة العالمي مع تفاقم أزمة تأميم قناة السويس التي أفضت إلى حرب العدوان الثلاثي عام 1956، حين عرض ‘إدوارد تيلر’ مهندس القنبلة الهيدروجينية، على إدارة الرئيس ‘دوايت أيزنهاور’ تسخير الطاقة النووية لحفر قناة بديلة عبر “أراضٍ صديقة” في سياق خطط الحكومة الأمريكية آنذاك لتوظيف “الذرة من أجل السلام”. وبالفعل عكف العالم النووي وزملاؤه الفيزيائيون على تطوير الفكرة في مختبر ‘لورانس للإشعاع’ في كاليفورنيا، ثم بإجراء “تفجيرات نووية سلمية” تحت مظلة ما عُرف نظريًا بـ”مشروع بلاوشير” Plowshare.
وبعدها بنحو عشر سنوات، عمل ‘تيلر’ ورفاقه مع فيلق المهندسين بالجيش الأمريكي على دراسة شق ممر مائي أوسع وأعمق من قناة بنما، باستخدام التفجيرات النووية “المحسوبة”.
إلا أن خطط الممر المائي “النووي” توقفت بحلول السبعينيات، ليس بسبب المخاوف البيئية أو نتيجة الجدل السياسي الخجول حول الأبعاد الأخلاقية للمشروع ومدى واقعيته علميًا، بل بسبب “تعقيدات” ارتبطت بمخاطر انتهاك معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية الموقعة بين القطبين الأمريكي والسوفييتي، وبالعجز الهائل في الميزانية الأمريكية الناجم عن حرب فيتنام.
وبرغم ما رافق تلك المشروعات من تحذيرات وسخرية في الإعلام اعتبرت ذلك التفكير نوعًا من “الجنون والهراء”، ظلّت فكرة “الحفر النووي” هاجسًا مسيطرًا على العديد من الباحثين والسياسيين الأمريكيين المؤمنين بجدوى استخدام الانفجارات النووية في عمليات “نقل التربة الضخمة وشق القنوات البحرية”، وهو ما عبّر عنه بالصوت والصورة زعيمهم الروحي ‘إدوارد تيلر’، قرب نهاية حياته في الفيلم الوثائقي “الديناميت النووي” الذي عُرض عام 2000.
أما اليوم، وبخلاف الرعب من احتمالات التسرب الإشعاعي الذي قد ينجم عن مشروع ‘غينغريتش’ لشق قناة بديلة عن مضيق هرمز (الذي يبدو ترمب غير واثق في إمكانية انتزاعه بالقوة من الإيرانيين)، يصعب تصوّر أي من دول الشرق الأوسط “الجديد” ستوافق على استخدام النووي في صحرائها لتحقيق ذلك الهدف “البرتقالي”- نسبةً للون كتلة الدخان المنبعثة من الانفجار التي تشبه رأس الفطر النووي ورأس الترمب الشيطاني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى