
ليست كلُّ الأمكنة سواء؛ فبعضها يُرى، وبعضها يُعاش، وقليلٌ منها فقط يسكنك حتى يغدو جزءًا من تعريفك لنفسك.
ووصاب… ليست مكانًا أمرُّ به، بل كينونةٌ أنتمي إليها، وتعيد تشكيل ملامحي كلما حاولتُ الابتعاد.
في تلك الجغرافيا الجبلية، حيث تتعانق القمم كأنها تحفظ سرَّ الأرض، لا يكون الطريقُ مجردَ امتدادٍ ترابي، بل حكايةً يومية تُكتب بخطى العابرين، وتُروى بصبر الذين عاشوا على إيقاعها.
هناك، تتجلّى البساطة بوصفها قيمةً إنسانية، لا نقصًا، وتتحول المدرجات الزراعية إلى درسٍ مفتوح في معنى الصبر حين يُثمر.
غير أن وصاب تبلغ ذروة حضورها في الخريف؛
ذلك الفصل الذي يُخطئه من يراه موسمًا للذبول، بينما هو في حقيقته زمنُ الامتلاء الهادئ.
فالجبال تكتسي خضرةً أعمق، والغيوم تنخفض حتى تلامس القمم، كأن السماء تقترب لتصغي إلى همس الأرض.
وحين تهطل الأمطار الأولى، لا تُبلّل التراب فحسب، بل توقظ في الداخل ذاكرةً خفيّة، تعيد ترتيب الحنين، وتمنح الأشياء معناها الأول.
في خريف وصاب، تتبدّل العلاقة بين الإنسان ومحيطه؛
فالطرقات لا تعود مسالك جامدة، بل شرايين حياة،
والأشجار ليست كائنات صامتة، بل مرايا تعكس اتساع السماء،
أما الأطفال، فيركضون خلف الضباب كما لو أنهم يلاحقون حلمًا لم يتعلّم بعد حدود الواقع.
ومع ذلك، تبقى وصاب في جوهرها تجربةً شخصية؛
فكلُّ عودةٍ إليها ليست انتقالًا في المكان، بل استعادةٌ لذاتٍ قديمة،
ذاتٍ ما تزال تحفظ صوت الأم وهي تنادي من بين الحقول،
وتتذكر حجرًا بسيطًا كان يومًا مسرحًا لأحلامٍ صغيرة، لكنها عميقة الأثر.
من هنا، لا تعود وصاب مجرد اسمٍ على خارطة،
بل حالةً من الصفاء،
ومرجعًا داخليًا يُقاس به صدق الأشياء،
ودرسًا صامتًا في أن الجمال الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج كي يُرى.
لذلك، حين يُطرح السؤال البسيط: من أنت؟
لا يكون الجواب تعريفًا عابرًا،
بل اعترافًا عميقًا بأن الإنسان، في جوهره،
هو حكايةُ المكان الذي أحبّه… وبقي فيه، وإن غادره.