
جلستُ..
لا لأنّ التعب سبقني،
بل لأنّ الوقوف إعلانُ موقف،
وأنا اكتفيتُ بالمشاهدة..
الواقفُ يتورّط في الانتظار،
أمّا الجالس
فيخلع الوعد..
ويصير احتمالاً
الكرسيّ خشبيّ،
بسيط إلى حدّ الريبة،
محايد كقاضٍ غادر القاعة..
في انحناءة ظهره
فجوةٌ تعرف الجسد
ولا تسأل عن الاسم..
حفرةٌ دافئة
تحتفظ بأثر من مرّوا..
الناس يتركون في الأشياء
أثقالهم الأخيرة
ثم يمضون أخفّ..
جلستُ فوق فراغٍ مستعمل،
عدمٍ له ذاكرة..
لم يكن الكرسيّ ينتظرني..
كان شاهداً محترفاً،
يتقن الصمت
أكثر ممّا نتقن الاعتراف..
يعرف عدد المرّات
التي جلس فيها إنسان
ليبدو متماسكاً
بينما كان يعلّق روحه
على أقرب مسمار..
بعض الكراسي
تشيخ من الأسرار،
لا من الأجساد..
نسي اسمي،
لكنّه حفظ وضعيّتي بدقّة.
الغرفة لا تُحيطني.
هي لا تعترف بالمكان..
حالةٌ معلّقة
بين سؤالٍ نُسي
وجوابٍ لم يُطرح..
لا ترحّب،
ولا تطرد..
تمارس تلك البرودة العاقلة
التي تتقنها الأمكنة
حين تفهم
أنَّنا سوء تقديرٍ مؤقّت
في مخطّط الجدران..
نحن هنا
لأنّ الاتّساع
لم ينفد بعد..
أفتّش في الهواء
عمّا تساقط منّي
دون صوت..
لم أسقط..
كنتُ أتآكل..
تسرّبتُ من نفسي
كما يتسرّب الرمل
من قبضةٍ مرتخية.
العمر
ليس خطّاً،
بل محفظة مثقوبة..
نضع فيها الأمل صباحاً
ونفقده مساءً
بإيصالٍ لا نقرأه.
هو عقدٌ طويل
نوقّعه بالتقسيط
إلى أن نتقن
الاعتياد على النقص..
ثمّ،
بلا دراما،
انكسر شيء صغير.
لا في الغرفة،
بل في صدري..
صوتٌ خافت،
كعود ثقابٍ خذله اللهب..
وفي اللحظة نفسها
سقط إطار صورة..
لم يتحطّم،
لكن الزجاج
تشقق بخطّ واحد
في المنتصف،
كأنّه تعلّم الانقسام منّي..
نهضتُ خطوة
وتوقّفت..
عرفتُ الصورة
دون أن أراها..
بعض الوجوه
لا تعيش في الذاكرة،
بل تراقبها..
لم أحزن..
لم أحنّ..
خفّ الوزن فقط
مددتُ يدي
لا لأمسكَ ذكرى،
بل لأتأكّد
أنّ هذه الحدود اللحمية
ما زالت تفصلني عن العالم
تحسّستُ الندبة
بين «أنا» و«ليس أنا»
فهمتُ:
المسافة
ليست جرحاً،
بل هوية
من شقّ بعيد
تسلّل صوت بلا ملامح..
لا نداء،
لا ارتطام،
أنينٌ خفيف
لإمكاناتٍ متردّدة
مصائر
تتدرّب على الوجود
هل ستكتمل؟
أم تفسد
قبل أن تُسمّى؟
حين نهضتُ
لم أسمع الخشب،
بل فراغاً
يتّسع خلفي
الكرسي لم يتحرّك
ولم يتذكّرني
أعاد الغرفة
إلى صمتها الأوّل،
كأنّ جلوسي
كان تمريناً
على الغياب
في الخارج
المدينة آلةٌ بلا ذاكرة
تدور
لا تنتظر أحداً
وأنا،
على الحافة
بين الوجود والانسحاب،
أجد أنّ هذا
كافٍ
سأترك للكرسي
انحناءته الحكيمة،
وليحتفظ بما لا يحتاج اسماً:
ثقلاً عابراً،
وصمتاً دافئاً
أمّا أنا
فسأنسحب خفيفاً،
كفكرة
مرَّت بذهن الصمت
فلم يحاول
تذكّرها
بقلم: مؤيد الشاوي
العراق