كتاب وشعراء

التفاصيل الخائنة….بقلم أحمد بشير العيلة

هكذا أنا، لا أريد أن أعرفَ أسماء الدبابات أو الطائرات التي تقصفني.
فكلها ترمي قذائف ثقيلة على جسدي الذي لم يعد يحتمل هموم جديدة.
ولا أريد أن أعرف حتى نوعها طالما أستطيع أن أفجرها بسهمي الذي قبعتُ سنين عدداً وأنا أبريه ليتطور من إصابة ضرع ناقة البسوس إلى تفجير الميركافات.
معادلة الرفض هذه تحترم كثيراً النتائج مهما تعددت مقدماتها المزعجة.
وبصراحة لا أحب التفاصيل التكتيكية المزعجة، المليئة بالرموز والحسابات الفجة، ولا أحب الاستراتيجيات المشحونة بالماء الثقيل.
فقد أعرف – ويهمني فقط أن أعرف- أن هنالك عدواً أمامي يجب أن أزيحه عن طريق غصوني وهي ترتفع، وعن مسارات جذوري وهي تتشبث بالأرض، وعن تدفق دمائي في العروق المرهَقة.
أرفض أن يحاورني عدوي أو أحاوره.
فمحاورة العدو تعطيه فرصة ليلتقط مزيداً من أكسجين هوائي الذي كنتُ أخبّئه لأحفادي من البشر والشجر وخراف مزرعتي بعد مائة عام.
وليكن في علمكم أن دراسة تفاصيل العدو الشائكة تأتي من باب إضاعة الوقت.
منذ أول اجتياح لذاتي المجبولة بطين الأرض، وقفت الدبابة أمامي، لا يهمني ولن يهمني نوعها ولا تاريخ صناعتها ولا وزنها ولا قدراتها التكتيكية في الميدان.
لا أود دراسة هذا النوع المقرف من التفاصيل.
كل ما أريد أن أعرفه أن عدوي يقاتلني بها من وراء جُدر، وعليّ أن أحرقها كلما تقدمت شبراً نحوي؛ حتى لو بجسدي وأفتح أبواب نيراني -التي ربيتها لسنوات- عليها.
أمتنع أيضاً عن معرفة الثقافات المؤسِسة لكيانٍ محتل سرق كل تفاصيلي، فحين أدرس تفاصيله، أنا لا أطيل عمره وحسب وأنا بعيدٌ عن مواجهته، بل أنا أمنحه شرعية تواجد طوال قراءة التفاصيل التي أنكرها تماماً، فلا أعياده أعيادي، ولا قصصه قصصي، ولا قصائدي قصائده، إنني أستنزف مساحات ذاكرتي في تلك المعرفة الفيروسية التي تتكاثر كبرنامج فيروسات يلتهم عزمي في المواجهة، المواجهة الصماء التي لا تفاهم فيها.
وبصراحة لا أريد أن أُتعِب نفسي في اختراع فلسفةٍ لتحديد ماهيته، ولا إلى تأصيل وجوده، هو عدو وكفى.
أمتنع تمام الامتناع عن أن أكون مثقفاً يُرهِقُ خلاياه في الجدل العقيم عن الأنا والآخر، قد أصل معكم أصدقائي المثقفين إلى أن الدخول في التفاصيل الوجودية للعدو هو بابٌ من أبواب المماطلة المخالفة للانتقام السريع والتطهير الأسرع، فهذا الباب يمنح عدوي فرصةً كي ينمو أكثر على أرضي التي اغتصبها، لذا أعدُّ إضاعة الوقت في تلك التفاصيل باباً من أبواب الخيانة.
أتحاشى كثيراً نشرات الأخبار التي تذكر مجريات أموره، فقط يهمني أن أحدد إحداثياته لأدل عزرائيل عليه.
لا تُدخلوني أيها الرفاق في وحل (اعرف عدوك) فعدوي هو عدوي.. وعليكم أن تقولوا بدلاً من ذلك: (اسحق عدوك)، لذا أستغرب من كل اتفاقية سلام مع عدونا المحتل حتى لو كانت مدتها ساعة واحدة، فما بالك باتفاقيات استسلام عاشت 40 عاماً، فأطالت عمر عدوي أضعاف هذا الرقم.
عليكم أن تلاحظوا معي أيها الرفاق؛ ذاك الأمر المقدس (وأعدوا).. لم يأتِ لإعداد المجلدات عن: من هو العدو، بل كان الأمر الإلهي حازماً… وأعدوا لهم ما استطعتم من (قوة) ومن رباط الخيل.
لا تدخلوا كثيراً أعزائي في تفاصيل عدوكم، فالشياطين كلها تدخل في التفاصيل وكذلك الخيانة، اقضوا عليه دون تردد.. طهروا أرضكم وذواتكم منه، ثم ادخلوا بعدئذٍ في التفاصيل وهو في خبر كان كما تشاؤون….

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى