كتاب وشعراء

حين يرنّ الفراغ……بقلم نوميديا جروفي

كانت تجلس كلّ صباح أمام النافذة، لا لتنتظر أحدًا بل لتتأكّد أنّ العالم ما زال موجودًا خلف الزجاج.
لم تعُد تتذكّر منذ متى أصبح الهاتف صامتًا، ففي البداية، كانت تعتقد أنّ الخطّ مقطوع، ثمّ بدأت تشكّ أنّ الأصوات هي التي انقطعت عنها لا العكس.
وذات يوم، رفعت السمّاعة فسمعت أنفاسًا خافتة، أنفاسًا تشبه أنفاسها، مُتعبة، مُتردّدة كأنها تأتي من داخلها لا من الخارج.
قالت بصوت مُرتجف: من هناك؟
لكن السّؤال لم يكن موجهًا لأحد، ومنذ ذلك اليوم، صار الهاتف يرنّ فقط عندما تُفكّر في شخصٍ نسيته. وعندما تجيب، لا تسمع سوى صدى أفكارها تتكلم بلغة غريبة، مألوفة حدّ الرعب فكل مكالمة كانت تستدعي ذكرى، وكل ذكرى كانت تمحو جزءًا من وجهها في المرآة.
وفي صباح بارد، نظرت من النافذة، فلم ترَ شيئًا، لا أشجار، لا طريق ولا سماء،فقط بياض كثيف كأنّ العالم قد مُسح.
رنّ الهاتف.تردّدت طويلًا ثم أجابت. فقد جاءها صوت واضح هذه المرة ولم يكن صداها.
“قد تأخرتِ كثيرًا، ارتجفت يدها، وسألت: إلى أين؟
أجاب الصوت بهدوء:
إلى نفسكِ… التي سبقتكِ إلى العدم.”
وضعت السماعة ببطء، وعندما التفتت نحو النافذة رأت امرأةً تجلس في الخارج وتُحدّق إلى الداخل، تنتظر أن يرنّ الهاتف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى