
شهد يوم الإثنين الماضي صفقة رمادية جزئية بين الولايات المتحدة وإيران، بوساطة باكستانية تم بمقتضاها “تحرير” سفينتين ترفعان علم الولايات المتحدة من الاحتجاز في مضيق هرمز مقابل تحرير سفينة الحاويات “توسكا” التي ترفع علم إيران وإعادة طاقمها سالما. فوق أمواج هذه الصفقة الرمادية التي وصفتها الدبلوماسية الباكستانية بأنها تدخل ضمن “إجراءات بناء الثقة” بين طهران و واشنطن، جرت عمليتين عسكريتين، كانت الإمارات هي الخاسر الأكبر فيهما، حيث تعرضت منشآت تخزين وتصدير النفط الإماراتية الرئيسية في الفجيرة لضربة إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة، فشلت خلالها وحدة الدفاع الجوي الإسرائيلية (القبة الحديدية) في حماية ميناء تصدير النفط الإماراتي الرئيسي الذي يقع خارج مضيق هرمز. وطبقا لاعتراف إسرائيلي فإنها تمكنت من إسقاط صاروخ واحد فقط من أكثر من 12 صاروخا أطلقتها إيران. ما حدث يوم الإثنين داخل المضيق روج له دونالد ترامب على أنه عملية تحرير سفن تجارية بريئة عالقة في مضيق هرمز. إيران قالت ما قد يعني ضمنيا أن عبور سفينتين ترفعان العلم الأمريكي إلى خارج المضيق تم بالتنسيق معها، وذلك رغم الطلقات التحذيرية التي أطلقتها على فرقاطة أمريكية، واعترافها بخسارة عدد من القوارب التجارية الخفيفة في المضيق (على عكس الرواية الأمريكية التي تفيد بإغراق ستة قوارب مسلحة سريعة). في تلك العملية لم تستخدم القوات الأمريكية كاسحات ألغام، وإنما استخدمت تكنولوجيا جديدة بواسطة غواصات مسيرة صغيرة لتطهير ممر كاف لمرور السفن من الألغام.
بوضع الروايات الأمريكية والإيرانية والباكستانية جنبا إلى جنب، ثم محاولة قراءة المشهد، نستطيع القول بأن الولايات المتحدة تحاول اختبار استراتيجية جديدة لاستنزاف إيران عسكريا في مضيق هرمز بواسطة عمليات عسكرية محدودة ومتقطعة تحت شعارات غير عدائية (ذات طابع إنساني أو قانوني أو لظروف طارئة) وجر إيران إلى إطلاق النار أولا، مع استمرار وقف إطلاق النار رسميا، ما يُجَنّب الرئيس الأمريكي اللجوء إلى الكونغرس لطلب تفويض بشن الحرب. ترامب لا يريد أن يكون الكونغرس طرفا في قرار الحرب، لأن ذلك من شأنه إضعاف دوره، وتقييد تصريحاته التي يطلقها بحرية كاملة عبر منصات السوشيال ميديا، في وقت يقترب فيه بدء حملة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. هذا الأسلوب يشبه ذلك الذي تستخدمه إسرائيل يوميا في غزة وجنوب لبنان، حيث تمنح القوات الإسرائيلية لنفسها حرية العمل العسكري تحت شعار “حق الدفاع عن النفس”. وإذا نجح ترامب، فإن التحول في نمط العمليات العسكرية يعني أن التوتر في مضيق هرمز قد يستمر لفترة طويلة من دون حسم بين كر وفر على الجانبين الأمريكي والإيراني. ويعزز من هذا الاستنتاج أن البيت الأبيض يربط أي اتفاق مع إيران بالتخلص من برنامجها النووي، بينما تربط إيران المفاوضات بإنهاء الحرب مع ضمانات دولية بعدم العودة إليها.
الجديد على صعيد الموقف الأمريكي هو الضغوط التي يمارسها الكونغرس على الرئيس لتقديم بيان رسمي عن الموقف في مضيق هرمز، وضرورة الحصول على تفويض بشأن تمديد الحرب إذا كان يتجه إلى ذلك. وقد رد ترامب برسالة إلى الكونغرس في الأول من الشهر الحالي ذكر فيها: “في 7 أبريل/نيسان 2026، أمرتُ بوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين. وقد تم تمديد وقف إطلاق النار منذ ذلك الحين. لم يحدث أي تبادل لإطلاق النار بين القوات الأمريكية وإيران منذ 7 أبريل 2026. وقد انتهت الأعمال العدائية التي بدأت في 28 فبراير/شباط 2026.” ومع ذلك فإنه قال أن الولايات المتحدة “لا تزال في حالة تأهب للحرب في الشرق الأوسط.” وأن وزارة الحرب : “تواصل تحديث وضع قواتها في منطقة المسؤولية في دول مختارة، حسب الضرورة والملاءمة، لمواجهة التهديدات الإيرانية وتهديدات القوات الوكيلة لها، وحماية الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها”. قانون صلاحيات الحرب وإرسال قوات للقتال خارج الحدود الصادر عام 1973 يلزم الرئيس بإخطار الكونغرس في غضون 48 ساعة من أي عمل عسكري ردًا على تهديد وشيك، ويحظر على القوات المسلحة البقاء لأكثر من 60 يوما في منطقة العمليات بغير موافقة الكونغرس.
وعلى صعيد تقييم الموقف الداخلي في كل من واشنطن وطهران، يبدو أن القيادة الأمريكية تواجه عددا من القيود، على العكس من القيادة الإيرانية التي تتمتع بحرية حركة أوسع من دون قيود أساسية تقريبا، نظرا لأن إيران تملك ثلاث مزايا رئيسية في مواجهة ما يمكن وصفه ب “الحصار البحري الناعم” الذي تفرضه البحرية الأمريكية. الميزة الأولى هي أن إيران تنتج سلة غذائها الرئيسية من دون الحاجة تقريبا إلى الخارج. والميزة الثانية هي أنها تعتمد على نفسها في إنتاج الأسلحة التي تحارب بها. والميزة الثالثة هي أنها متمرسة في أساليب التهرب من الحصار والعقوبات ويمكنها تصدير كميات كبيرة من النفط. العنصر الحرج الذي قد يسبب ضغطا على الحكومة هو الاضطرار إلى تخفيض الإنتاج بسبب تقليص الصادرات و نقص طاقة التخزين. ولا تزال إيران تتمتع بقدرات تصديرية كافية نسبيا تفوق كثيرا ما كانت قد تعرضت له في أوقات سابقة عندما اضطرت لتخفيض الإنتاج إلى حوالي 400 ألف برميل يوميا. أما في الولايات المتحدة فإن القيادة الأمريكية تعاني من ضغوط ثلاثية الأبعاد، سياسية واقتصادية وعسكرية في المواجهة مع إيران. أهم الضغوط السياسية تأتي داخليا من الكونغرس كما تأتي خارجيا من حلفاء واشنطن المتضررين بشدة من استمرار الحصار. فيما يتعلق بالكونغرس لن تتوقف الضغوط على ترامب للحصول على تفويض لمد أجل بقاء القوات الأمريكية في الخليج ومضيق هرمز. كذلك فإن اقتراب موعد بدء حملة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس سوف ينقل قضية المواجهة مع إيران إلى الشارع السياسي الأمريكي، ومن ثم يفتح الباب أمام جدل حول جدوى الحرب مع ومسؤولية نتنياهو في جر واشنطن لها، خصوصا مع ما يتم تداوله من تقارير عن سوء الروح المعنوية بين الجنود وانخفاض مستوى التغذية والحياة اليومية لهم سواء على ظهر السفن أو في القواعد العسكرية، ما تسبب في هبوط شعبية ترامب إلى الحضيض.
أما الضغوط الاقتصادية التي تتعرض لها الولايات المتحدة فإنها تأتي مترافقة مع زيادة احتياجات تمويل الحرب التي تؤدي إلى تضخم الدين الفيدرالي. وتبلغ تكلفة الفوائد التي تدفعها الحكومة الفيدرالية حاليا ما يقرب من تريليون دولار سنويًا. ويسعى ترامب لزيادة الميزانية العسكرية للسنة المالية الجديدة بنسبة 50 في المئة تقريبا، ما يثير قدرا كبيرا من المخاوف بخروج الدَّين عن نطاق السيطرة. وهناك على المستوى الشعبي مشاعر سخط قوية ضد الحرب التي أشعلت أسعار وقود السيارات خصوصا مع اقتراب موسم عطلات الصيف، حيث ارتفع متوسط سعر البنزين في محطات الوقود الأمريكية إلى 4.45 دولار للجالون يوم الأحد الماضي، بزيادة قدرها 35 سنتًا خلال الأسبوع. وعلى صعيد الضغوط العسكرية فإن حاجة القوات الأمريكية إلى استعواض الأسلحة والذخائر التي استُنزِفَت في الحرب من شأنها أن تؤخر أي مجهود عسكري رئيسي خارج الحدود. وطبقا للتحقيق الذي نشرته قناة سي إن إن في الأسبوع الماضي عن الخسائر العسكرية، فإن القوات الأمريكية في الشرق الأوسط أصبحت تفتقر الى قدرات تشكل أهم مكونات العمود الفقري للعمليات العسكرية وأكثرها تكلفة مثل أجهزة الرادار وطائرات الاستطلاع المتقدمة وطائرات التزود بالوقود والصواريخ الذكية الأكثر دقة في إصابة الأهداف. وتتوقف كفاءة الاستعواض على قدرة مصانع الأسلحة الأمريكية على توريد أسلحة إضافية إلى كل من إسرائيل والدول الحليفة في الخليج، خصوصا بعد الموافقة على توريد أسلحة طارئة لتلك الدول بقيمة 8.6 مليار دولار، إلى جانب تلبية طلبات القوات الأمريكية. على الصعيد العسكري أيضا فإن طول خطوط الإمدادات عبر المحيطات والبحار من الولايات المتحدة إلى الخليج يمثّل قيدا على حرية العمل العسكري ويجعله أكثر تكلفة. وفي المقابل فإن قصر خطوط الإمدادات العسكرية للقوات الإيرانية المدافعة يقدم لها ميزة ضخمة في مواجهة القوات الأمريكية المعتدية. وإذا تحولت المواجهة في مضيق هرمز إلى حرب استنزاف طويلة الأجل فإن الرئيس الأمريكي سيتعرض لانتقادات حادة من الدول المتضررة، خصوصا وأن أزمة الطاقة يمكن أن تستفحل خلال فصل الصيف إلى نطاق غير مسبوق منذ الصدمة النفطية الأولى في سبعينات القرن الماضي، وأن الصين هي المستفيد الأكبر من اتساع نطاق أزمة الطاقة في الدول الصناعية الغربية والشرق الأقصى، حيث تستحوذ وحدها على أكثر من نصف الاحتياطي الاستراتيجي للنفط في العالم وأكثر من 70 في المئة من سلاسل إنتاج الطاقة الجديدة.