
عند مراقبة ردة الفعل العالمي على زلزال طوفان الاقصى ومقارنته بردة الفعل على اغلاق مضيق هرمز ، يتضح ان ردات الفعل على الابادة الجماعية في قطاع غزة والتي اقرتها المحاكم الدولية ،كانت متمركزة في “الشعوب او قواها الشعبية المنظمة”، وطغى عليها التعاطف الوجداني ، بينما ردات الفعل على اغلاق مضيق هرمز كانت ردات الفعل في جوهرها ذات طابع رسمي وطغى عليها الحساب المادي من الدول والشركات ،رغم انه يمس جيوب المواطنين ، ولعل هذا يضع الاساس للتفكير في المدى الزمني لكل من رد الفعل الرسمي ورد الفعل الشعبي، فآثار رد الفعل الشعبي يحتاج لزمن اطول ليفعل فعله مع انه اسرع في الظهور بداية، بينما رد الفعل الرسمي تتناسب سرعته مع كثافة المساس بالابعاد المادية الصرفة.
ان متابعة المقترحات الامريكية من ناحية والايرانية من ناحية اخرى للوصول لتسوية الصراع الدائر تشير بشكل واضح الى غياب الوضع في غزة عن طاولة المفاوضات ، ويشار لها “أحيانا” بكيفية مواربة وقابلة للتأويل لاحقا، وهو الاسلوب الذي يعتمده الطرف الصهيوني منذ نشوء كيانه السياسي في فلسطين.
فطبقا لما تنقله وسائل الاعلام من تسريبات او من احالة بعض المعلومات لمصادر معينة تتصدر موضوعات السلاح النووي الهموم الامريكية بينما تتصدر استراتيجية التحكم في مضيق هرمز المطالب الايرانية ، ويطالب الامريكيون بوقف الدعم الايراني لحركات المقاومة (باعتباره عامل عدم استقرار من المنظور الامريكي والاسرائيلي وبعض العربي) بينما يريد الايرانيون رفع العقوبات والتعويضات عن ما تسببت به العقوبات والحروب ، ويضاف لذلك تخصيب اليورانيوم واماكنه ونسب تخصيبه ونقله ،والبحث في انتاج الصواريخ ومديات هذه الصواريخ ، والامتناع عن مهاجمة القواعد الامريكية في مضارب الفريق الامريكي الشرق اوسطي.
خلال هذا السجال نجد ان الوضع في غزة يغيب عن تصدر المشهد رغم ما يلي:
1- استمرار عمليات القتل والاعتقال وهدم البيوت وتجريف المزارع يوميا مع استمرار زرع الجواسيس بل وتسليحهم
2- استمرار العرقلة المدروسة للمساعدات الدولية وتقليص كمياتها بل واستبدال جهات مصرية لبعض ما فيها .
3- التوسع في السيطرة العسكرية في داخل القطاع وحشر المجتمع الغزي (اكثر من 2.2 مليون نسمة) في مساحة لا تتجاوز الآن ما بين 120 الى 130 كيلومتر مربع.
4- انتشار الامراض والقوارض بسبب نقص قنوات الصرف الصحي ،وسوء مخيمات الإيواء ، ونقص الادوية ونقص التغذية ونقص وسائل التدفئة او المحروقات بشكل عام .
5- تعطل او تعثر عمل المستشفيات والمدارس والادارات المحلية نتيجة التدمير اونتيجة تعذر الوصول لها بسبب تدمير شبكات الطرق .
6- اتساع هائل في معدلات البطالة واتساع قاعدة الفقر والانحراف والتشرد بين الاطفال الذين فقدوا اولياء امورهم.
ومن الواضح ان مجلس السلام الذي انشأه ترامب ليس إلا واحدة من اكاذيب هذا الرئيس ،ولم يقم حتى الآن باي مساهمة ذات معنى ، بل ان الاعلام لم يعد يعتني باية أخبار حوله.
لقد حلت اسعار البترول وتاثيرها على الدولار والسندات والديون وكل ما يستطرقه انبوب النفط محل “آلام غزة”، وغابت هذه القضية عن جداول اعمال المجتمع الدولي الرسمي.
فإذا اضفنا لكل هذا ،استمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية ،واستمرار هدم البيوت وخلع الاشجار،واعتبار اعدام الاسرى امرا قانونيا، واستمرار الاعتقالات اليومية ،واغلاق المساجد والكنائس ذات الرمزية في المناسبات الدينية ، يزداد المشهد قتامة.
وهنا تبدو المهزلة، فرغم ان كل مظاهر عدم الاستقرار السياسي في الشرق الاوسط منذ 1917 الى الآن لها صلة بنسبة او اخرى بالقضية الفلسطينية ، إلا ان الدبلوماسية النشطة هذه الأيام معنية بمن يسيطر على مضيق هرمز وباسعار البترول مع ان سبب المشكلة كلها هو القضية الفلسطينية، وهكذا يجري التفاوض على النتائج لا على الاسباب.
ذلك يعني أن على اطراف محور المقاومة –مع كل التقدير لدوره ولفعله – ان يجعل موضوع القضية الفلسطينية هو الحاضر الشاخص بقوة في جدول اعمال التفاوض، ولا بد من التأكيد في وسائل اعلام المقاومة والاعلام النزيه والتصريحات الرسمية على ان القضية الفلسطينية هي “أم المشاكل” في الشرق الاوسط، وان حل اية قضية غيرها هو هروب للنتائج وترك الاسباب. فقد ربطت ايران موضوع وقف اطلاق النار في لبنان بموضوع وقفه في الخليج، وهددت بتحريك موضوع باب المندب وزيادة التضييق في مضيق هرمز إذا لم يتم ربط الموضوع اللبناني بالحرب في الخليج، ورغم المراوغات الاسرائيلية المعهودة، الا ان الربط وقع –ولو مع التحايل عليه-..لكن غزة بشكل خاص والقضية الفلسطينية او موضوع قيام الدولة الفلسطينية بشكل عام توارت حتى من وسائل الاعلام.
لذا، على المفاوض الايراني ومعه محور المقاومة العمل على اعادة المكانة للموضوع الفلسطيني في جدول الاعمال، وبخاصة ان هناك مساندة من اكثر من 156 دولة في العالم من بينها روسيا والصين واغلب القوى الاوروبية والدول الافريقية والاسلامية تدرك اهمية الموضوع الفلسطيني..كما ان الرأي العام العالمي –حتى في امريكا نفسها- يعرف مساندة متزايدة لهذا التوجه ،فلا بد من استغلاله.
ان ربط اسعار البترول باغلاق هرمز يستوجب ربط المضيق بالموضوع الفلسطيني ،وهذا هو الاصل، اما اللعب طبقا لقواعد يضعها ترامب ونيتنياهو فهو خطأ استراتيجي لا يجوز لمحور المقاومة التمادي فيه..
هنا انا لا اخاطب من في تعامله مع ترامب “لولا التشهد كانت لاؤه نعم” ،ولا اخاطب خبراء تخصيب الادانة،بل اخاطب قوى المقاومة فقط.