
أمي
أو تدري أخفقنا تماماً ؟
نهرٌ خَسِرَ ماءَهُ ،
ومشى إلى عطشهِ مطعوناً بالشوقِ ..
أمتلأ سرابا ،
كُلُنا نشرَبُ سرابَنا …
رسمناهُ ،
عشِقناهُ …
أتدري نجحتُ في نسيانكَ ؛
لكني نسيتُني فيك ؟
أخفقنا أنْ تكون لي ،
أنْ أكونَ لك ،
أنْ أعودَ لي …
أنْ تعودَ لك ….
في منتصفِنا تُهنا …
اخترعتُ يُتمي ،
زينتُهُ ،
أضفتُ إليهِ ،
ظننتُهُ قدراً ،
أمراً عاماً ،
ثم اخترعتُ اعترافا ضمنيَّا با اللا هويَّةِ ..
حتى قُلتَ لي :
ليتنا ما تمكنّا مِنَّا ،
لمْ نمنحْ فرصةً لسِوانا ،
في النَيلِ مِنَّا ،
ما ضعُفنا ،
ما انكسرْنا أمامَ أنفُسِنا ،
ما توغلنا فيكم لحظةَ انتِصارٍ لهوانا …
أوغلتْ مساميرُ الغيمِ في جسدي ،
حينَ صلبوها ،
لمْ تكُنْ حُبلى بالماءِ ،
كانتْ تحيا عطشَ قصائدِها ،
تحفرُ في جسدِ المعنى بئراً ،
تبحث في يباسِ الكأس خمرا ،
تُداعبُ حلماً لشاعرٍ آنسَ هيكلاً …
ومضى إليه دونَه …
أو تدري سقطنا فينا ،
تضرجنا بدم التناسي ،
كنا خنجرين ،
في غصةِ حربٍ …
كنا موجتين في استراحةِ البحر ؛
كنّا نهايتين …
أمي السيدةُ الوحيدةُ ،
آخرَ النساءِ في قاموسي ،
وأول النساءِ في قاموس الرَّبِ …
آخرُ نظرةٍ عاتبتُها لا تموتي ،
عاتبتني لا تحزَنْ …
لكنِّي حزنتُ …
اتخذتهُ خليلاً …
كانتْ تَثِقُ بدُعائها ،
ماتتْ قبلَ أنْ أعود ،
قبلَ أنْ أقولَ لها أحِبُكِ ،
في الليلِ ــ من أربعين عاماــ
حين أبكي تنظمُّ إليَّ في اوركستراي ،
نعمْ أخفقتُ يا أمي ،
كانتْ الحاجةُ بوصلتي ،
لمْ أجدْ إلا نهرا عطشانا ،
ولمْ أُسامِرْ إلا نخلاً مقطوعَ الرأسِ ؛
يبحثُ عن رأسٍ …
عن رأسٍ بين الرؤوسِ …
لمْ أجدْ أنثى ،
لمْ أجد أخاً ،
ولا صديقاً ،
ولا مُحِبَّاً ،
وجدتُ حفنةَ مُنكسرين ،
قادمينَ من الحربِ ،
من حربٍ أقامتها ذواتُهم لهم …
لما تُسمى الحياةُ التي لمْ نَعِشْها ،
ما عَرِفنا …
مُتنا قبلَ أنْ نولدَ يا أمي …
فالحياةُ تُصنَعُ …
وما صنعنا …
شعر: طه الزرباطي
14/7/2026