كتاب وشعراء

الرسامة الإيرانية مهرنگیز تالايزاديه: “أتمنى يوماً ما أن أخلق أسلوباً جديداً في الرسم”.. حوار: نداء الدروبي

تُحاكي الرسامة الإيرانية مهرنگیز تالايزاديه الوجدان الإنساني، محوِّلةً الفن من مجرد تعبير جمالي إلى رسالة فكرية عابرة للحدود. كما تُمثل تجربتها بحثاً معرفياً تتداخل فيه ممارستها الفنية مع شغفها النظري والبحثي، في إطار حوار مستمر بين النظرية والتطبيق. تنطلق أعمالها من عمق الهوية البصرية الإيرانية لتناقش قضايا إنسانية وجمالية معاصرة. ومن خلال تجربتها هذه، أجرينَا معها الحوار الآتي:

*بداياتكِ الفنية، كيف نشأت وتبلورت؟
**بدأت هوايتي في الفن منذ الطفولة المبكرة في المدرسة، عندما أدرك مدرِّس الرسم موهبتي وشجَّعني، فتابع هوايتي ودعمني وتوقَّع أن يكون لي مستقبل مشرق في عالم الفن. ولكن بعد المرحلتين الإعدادية والثانوية اتجهت لتعلم اللغة الإنجليزية والعامة، ولم أدرس الفن أبداً في أي جامعة، بل علَّمت نفسي بنفسي؛ فقرأت العديد من الكتب حول تاريخ الفن العالمي ونظرية الألوان لدى الرسام والمُنظّر السويسري يوهانز إيتن (Johannes Itten)، ومارست الرسم بطريقة أندرو لوميس (William Andrew Loomis)، وهو رسام وكاتب ومعلم فنون أمريكي. ومررت بتجارب مستوحاة من أنماط الرسم الإيرانية والعالمية، ورسمت باستخدام تقنيات مختلفة… في النهاية، اتجهت إلى الفن الواقعي المفرط (Hyperrealism) وأصبح شغفي وبصمتي الخاصة. ومن عام 2019 إلى 2020، خضعت لمدة عامين للتدريب على الرسم تحت إشراف مدرِّس تقني محترف دولي، وبعد أن اجتزت الامتحانات الفنية شعرت بالفخر لحصولي على الدرجة الأولى في الرسم، وقد غمرتني عائلتي بفرحة كبيرة لما حققته.

*كيف كان يتراءى لكِ حب الفن في صغركِ؟
**كان بالطبع أمراً مدهشاً بالنسبة لي، ومليئاً بالخيالات البريئة والطفولية. وكم كنت أفرح كثيراً وأعتزُّ بحكايات الأطفال التي ترويها لي والدتي الراحلة وجدتي، والتي كانت مدعومة بالصور، فكنت أنقلها بشغف إلى دفتر الرسم الخاص بي. كانت تلك الرسومات بسيطة بشكل ملحوظ، لكنها تفيض بالعاطفة والحماس البريء والمملوء بأكثر الأحلام غرابة؛ حيث كنت أترجم بشوق قصصهما ورواياتهما إلى لوحات مرئية.
وعلى الرغم من أنني جرَّبت أساليب مختلفة في الرسم الشرقي (الإيراني) والعالمي، وابتكرت أحياناً أعمالاً (غير واقعية)، إلا أنني اخترت في النهاية أسلوب المدرسة الواقعية كشغف عميق أعبّر من خلاله عن نمطي الخاص.

*ما الأنماط والأساليب التي تتخذينها في الرسم؟
**أرسم بألوان دافئة، واضحة، وحيوية، وأستغرق وقتاً طويلاً في رسم التفاصيل الدقيقة.
أنا مهتمة جداً بتجسيد عوالم أحلامي وبنائها بصرياً، وأتمنى يوماً ما أن أتمكَّن من ابتكار أسلوب جديد في الرسم يدمج أدواتي الواقعية ورؤيتي الفنية الفريدة، لأتركه كإرث قيم للعالم الفني.

*ما أهم أنشطتكِ الفنية؟
**شاركت بلوحاتي في العديد من المعارض الفنية والمحافل المحلية والوطنية والدولية، كما تبرَّعت ببعض أعمالي الفنية لصالح معارض ومبادرات عالمية.

*ما هو أسلوبكِ في استخدام الألوان وكيف توظفينها في لوحاتكِ؟
**ترتكز ممارستي الفنية على التوظيف الذكي للأصباغ الدافئة، الحيوية، والمشبعة. ومن خلال المبالغة المتعمّدة في إبراز الألوان، أبتكر جمالية مميزة تحدِّدها الروح العاطفية والديناميكية للوحة.
أحرص من خلال الكثافة اللونية على تقديم موضوعات عميقة تخلق إحساساً قوياً بالأبعاد، ما يضمن تأثُّر المشاهد وانجذابه العاطفي المباشر للوحة قبل غوصه في تفاصيل موضوعي الأساسي.

*ما الألوان المفضلة لديكِ ولماذا؟
**بصفتي رسامة، أنا أحب كل الألوان بلا استثناء، فكل لون يملك قيمة أساسية ودوراً فريداً داخل عجلة الألوان، سواء من حيث العمق الدلالي أو التعبير الجمالي.
علاوة على ذلك، أعتقد راسخةً أن اللون لا يكشف عن هويته الكاملة وسحره إلا عندما يوضع بتناغم مع نظيره المكمل له، حيث يبرز هذا التفاعل الديناميكي الطابع المميز لكل ظل لوني.
ومع ذلك، إذا أردت إجابة أكثر تحديداً، فأنا أميل نحو النغمات الغنية والحيوية؛ مثل الأبيض، الذهبي، البني، وتدرجات الأحمر، وبشكل خاص الأخضر والقرمزي. كما أشعر برابط روحي عميق تجاه اللون السماوي لما يحمله من هدوء وسكينة. هذا التوازن الجميل بين الهدوء الأثيري والكثافة النابضة بالحياة هو ما يجعل هذه الألوان تحديداً لا غنى عنها لرؤيتي الفنية.

*ما هي رغباتك الكامنة في مجال الفن؟
** أودُّ أن أرسم بأغصان صغيرة حادَّة ومجفّفة على تربة الحديقة الرطبة، وأن أرسم الزهور الملوَّنة والفراشات على المناديل الورقية باستخدام الأقلام وألوان الغواش.
أودُّ أن أزيِّن كلَّ شيء، من إبريق قديم إلى لوح خشبي. سأرسم حتى الذكريات اللطيفة لنفسي وللآخرين، جنباً إلى جنب مع أحلام طفولتي وتطلعاتي.
كنت أصوِّر أفراد عائلتي في صغري، وعندما ذهبت إلى رياض الأطفال ثم إلى المدرسة لاحقاً، استمرت معي هذه العادة العزيزة. بالنسبة لي، كل شيء -سواء كان خشباً، أم حجراً، أم زجاجاً، أم نسيجاً- يمكن أن يكون لوحة محتملة، فكل منها سطح يتسع لأكتب عليه تعبيراتي الشعرية الحية بالألوان.

*من أين تحصلين على إلهامك للشخصيات التي ترسمينها، وهل تريدين إيصال فكرة من خلالها؟
** في الوقت الحاضر، أستلهم لوحاتي من مصدرين رئيسيين؛ من ناحية، أعمل بالاستعانة بصور فوتوغرافية جاهزة عالية الدقة تقدم وضوحاً وتفاصيل استثنائية. ومن ناحية أخرى -وهي الأهم- أُنتج موادي المرجعية الخاصة باستخدام كاميرا عالية الدقة، غالباً بالتعاون مع مصورين ذوي مهارات استثنائية داخل استوديوهات تصوير احترافية.
معاً، ننسق بعناية جلسات التصوير أو تراكيب الطبيعة الصامتة؛ حيث يُرتّب كل عنصر بدقة: من التأطير والتكوين، إلى الوضعية المتعمدة للأشياء، وزوايا الإضاءة، والتفاعل المتناغم بين الظلال والنور. كل تفصيل يُصمّم بشكل مدروس ليكون أساساً مرئياً مثالياً لأعمالي التي أخطّها بالفرشاة لاحقاً.
وعلى الرغم من أنني لا أسعى بالضرورة لنقل قصة أو فكرة معينة، إلا أنني مدفوعة بعمق بنية من نوع آخر؛ ففي أعمالي الواقعية المفرطة (Hyperrealism)، أسعى جاهدةً للكشف عن الجوهر الروحي المخفي داخل كل موضوع -سواء كان بورتريه أم طبيعة صامتة- من خلال تسخير القوة السحرية للألوان، والإضاءة الديناميكية، والتظليل المعقد.
لذا، فإنَّ هدفي النهائي بدلاً من توصيل رسالة مباشرة، هو استدعاء شعور عميق بالهدوء التأملي والصفاء البصري في قلب المشاهد. أتمنى للمتأمّل أن يشعر بسلام داخلي عميق يتجاوز الكلمات، ما يسمح لجمال القطعة وأجوائها الأثيرية أن تخاطب روحه مباشرة. أما إلهامي فيأتي من دمج صور النساء والفتيات اللواتي يمثّلن الفلكلور الشعبي وغير الشعبي، إلى جانب وجوه الشخصيات الثقافية والعلمية المؤثرة من الرواد والمعاصرين، بالإضافة إلى الرسومات الأصيلة والبورتريهات الشخصية.

• ما الرسالة التي تريدين تقديمها من خلال شخصياتك؟
** في هذه الوجوه، أبحث عن ما هو أبعد من مجرد الجمال؛ إذ أهدف إلى خلق حوار بين الأصالة والمعاصرة، وبين الماضي والحاضر. الرواد يمثلون بالنسبة لي الخبرة والاستمرارية، بينما يجسد المعاصرون التحول والتساؤل. بناءً على ذلك، فإن هدفي هو نقل شعور بالهوية عبر الزمن، وطرح أسئلة حول الجذور، والتأثيرات، وفهم الذات عند نقطة الالتقاء بين الأصيل والمعاصر.

حاورتها الصحفية: نداء الدروبي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى