إضاءة نقدية انطباعية للأبعاد الرمزية والجمالية والروحية في نص “مرايا الروح” للشاعر المصري المبدع: أشرف شبانه.. بقلم الناقدة والباحثة العراقية: د. سما بغدادي

مرايا الروح
كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَغْتَسِلَ..
فَزِعْتُ للشِّعرِ؛
يُطَبِّبُنِيْ.. يُرَطِّبُنِيْ،
يُطيِّبُنِيْ بِالعِطرِ،
ثُمَّ يَمَلُؤنِيْ بِمَرِحِ الصِّغَار.
أمرٌ طَبِيْعِيّ جداً؛
أَنْ أَعْشَقَ الجمالَ العُذْرِيّ،
بِغَيْرِ رتُوْشٍ،
ألَا تكفي الرمُوْشُ..
لتُصيبَنِيْ بانبهار..!
مَنْ مِثْلِيْ شاهدَ القمرَ،
سَاعَةَ تَدَلَّى إِلى الأرضِ؛
لِيَخْتَلِسَ النَّظَرَ..
بِرَابِعَةِ النَّهَارْ.
غَدَاً سَأَسْأَلُ صَقرَ الشَّاهِين
وَإِنْ أَبَىٰ؛
سَأَعرِضُ الأَمرَ عَلَى الدولفِين
عَسَانِيْ أَحظَى مَعَ أحدِهِمَا..
بِصَفْقَةِ تَبَادُلِ الأدوَارْ.
السِّجْنُ قَيْد،
وَعَلَى الحُرِّ أَشَدّ
ألا ليْتَ كلَّ عبد
يصيرُ مِنَ الأحرَار
أَرَأَيْتَ روحَاً طَائِرَة
أَبَتِ التَّحلِيْقَ
تِلْكَ الزَائِرَة؛
تشبثَتْ بأَرضِ المَطَارْ.
وَضبَابٌ طمسَ الطرِيقَ
والرفيقَ.. وَالأَشجَار
فأَجْبَرَ القلوبَ علىٰ الانْتِظَارْ.
الغَبَاءُ لَاْيُطَاقْ،
وَالذكَاءُ الاصْطِنَاعِي.. زيف
وَالذكاءُ الاجْتِمَاعِيُّ نفاق،
واخْتِلَاقُ أعذار.
أَعشَقُ الصحوَ والانْطِلَاْقَ،
أليسَ النوْمُ،
خصماً من الأعمار!.
مَاذَا لَوْ أَنَّ مُنْقَرع
حَاوَرَ شَيْخَاً تَليفزيُونِيَّاً
عَنِ الوِرَعِ
فقَرَعَهُ بِنِهَايَةِ الحوَارْ.
أَلا من هِتلَر يُسَاعِدُنِي
بإلقاءِ بنِي صـ هـ يون
في بِئْرٍ لَيْسَ لَهُ قَرَارٌ.
“أكونُ أَوْ لا أكون”
قالَهَا هاملت شكسبير؛
اِنتِصَارَاً للحَيَاةِ،
أمْ طوقَ نجاةٍ مِنَ الانتِحَارْ؟!.
وَمَا الضيرُ لَوْ أعَادَنَا ترامب..
لِلْعَصْرِ الحَجَرِيّ؛
أَلَمْ تُصْنَعْ أَعظَمَ الحَضَارَاتِ..
مِنَ الأَحْجَارْ!.
قُلْ عَنِّي فَارِسَاً مَجْنُون،
دون كيشوت المفتون
عمراً؛
أحاربُ طواحينَ الهواء
بِوَاقِعٍ أَدمَنَ الانْكِسَار.
مَالِيَ والمُعَلَّقَاتْ
كُلَّمَا طَالَعْتُهَاْ؛
لَمْ أفْهَمْ بَعضَ الكَلِمَاتْ
فهَلْ يَهْضِمُ النَّابِغَةُ؛
مَاْ كَتَبْتُ أنَا مِنْ أَشْعَارْ؟!.
كيفَ تَنْطَفِئُ النَّارُ بالماءِ
دونَ رواء
وَ لا يَحتَرِقُ المَاءُ بالنَّارْ؟!.
وَكَيْفَ تَتَحوَّلُ باقة
من لباقة تحلَّتْ بالأنَاقَة
لبلوراتٍ تَمْنَحُنَا طَاقَة!.
وَلماذا؛
يُفاجِئُنَا الحليبُ بالفوران
وَلا نَنْتَبِه لَه؛
مَعَ أنَّهُ كَانَ بِحَالَةِ غَلَيَان؟!.
ثمَّ مَا سِرُّ العلاقةِ..
بَيْنَ كُلِّ هَذِي الأَفْكَار؟!
وَمَا السِّرُّ في كَوْنِ السرِّ سِرَّا؛
مَنْ يُخبرُنِي؛
عَنْ سِرِّ الأسرارْ؟!.
#ashraf_shabana
إضاءة نقدية انطباعية للأبعاد الرمزية والجمالية والروحية في النص:
ما إن نقرأ نصَّ “مرايا الروح” للشاعر “أشرف ياسين شبانه” حتى تصغي الأذهان لجمال التعابير المنتقاة بوعي وجداني وروحي، بلغةٍ تمتلك فرادتها الخاصَّة، حيث تتعانق الحداثة مع الحسّ الجمالي العميق في نسيجٍ شعري يفيض بالدهشة والرموز والإشراقات الفكرية.
الشاعر “شبانه” أصبح يُمثِّل مدرسةً شعريةً حداثيَّةً ذات أبعاد متنوِّعة وعميقة في وجدان القارئ كونه يمتلك حرفيَّة عالية في قيادة النص الأدبي،. وفي امتلاك ناصية التعبير إذ يُحوّل الفكرة العابرة إلى رؤيا، والتفصيل اليومي إلى أفقٍ تأويلي واسع، فتأتي نصوصه نابضة بالحياة، متوهِّجة بالصور، ومحمّلة بإيحاءاتٍ تتجاوز ظاهر المعنى نحو عوالم أكثر عمقاً واتساعاً.
وفي تجربته تتجلّى قدرة لافتة على تطويع اللغة بوعي فني رفيع، إذ يخلق من المفارقة والجمال والتأمُّل نصوصاً تترك أثرها في الذائقة والوجدان، وتمنح القارئ متعة الاكتشاف في كلِّ قراءة جديدة.
يشتغل نصُّ الشاعر “شبانه” اليوم ليدرك قلقٍ وجوديّ عميق، بفلسفة تحمل رؤى صوفيَّة مكنونة، و عبر تدفّقٍ شعريٍّ مُتشظٍّ تتجاور فيه الرؤيا الروحية مع السخرية المُرَّة، والتأمُّل الصوفي مع احتجاج الإنسان المعاصر على اختلال العالم. فالشاعر يبدأ من فعل “الاغتسال” بوصفه تطهيراً رمزياً، لكنه يفزع إلى الشعر ليروي عطش الروح بالكلمة الصادقة التي تُطهِّر الوجدان الإنساني، فالذات الشاعرة هي مرآة تجلٍّ لمعاني النقاء ترتقي بالروح نحو أفق آخر نابضٍ بالصدق والجمال لتحلّ محلّ الطقس الروحي، فتغدو اللغة نفسها أداة خلاص وتطهير وشفاء.
هذا التحويل يمنح النص بُعداً صوفيَّاً رقيقاً، حيث يصبح الشعر معادلاً للنور الداخلي وللبراءة الأولى المُتجلِّية في “مرح الصغار” وتستعاد معاني الفطرة السليمة.
جمالياً، يعتمد النصُّ على التداعي الحرّ، وهو تداعٍ لا يبدو عبثياً بقدر ما يكشف عن روح مأزومة تبحث عن معنى جامع وسط عالم متشظٍّ مليء بالصراعات، لذلك تتجاور صور “القمر، والدولفين، والشاهين مع هتلر، وترامب، وهاملت، ودون كيشوت”، في مزاوجة جريئة بين الرمزي والتاريخي والأسطوري واليومي في رؤية سريالية للوجود وتوحُّد كوني مع مفردات الطبيعة..
هذه الكثافة الإشارية منحت النص حيوية ثقافية، وجعلته أشبه بمرآة تعكس فوضى الوعي الإنساني المعاصر، حيث تتداخل السياسة والفلسفة والحبُّ والعبث والأسئلة الكونيَّة في لحظة شعوريَّة واحدة.
أما البعد الوجودي فيتجلَّى بوضوح في هاجس الحرية والاغتراب، فالسجن قيد مادي وحالة إنسانية خانقة، والروح الطائرة التي “أبت التحليق” ترمز إلى الإنسان الذي أثقلته الخيبات حتى خاف فضاء الحُرِّيَّة نفسه. كما أن سؤال “هاملت” يحضر بوصفه سؤال الكائن المعاصر الممزّق بين الرغبة في الاستمرار والإرهاق الوجودي من العالم. حتى السخرية الظاهرة في بعض المقاطع ليست إلا قناعاً دفاعيَّاً يخفي خيبة عميقة تجاه زيف الواقع وضبابيَّة القيم.
رمزياً، ينجح النصُّ في تحويل التفاصيل العامة إلى إشارات فلسفيَّة كبرى؛ ففوران الحليب، واحتراق الماء بالنار، والعلاقة بين السرّ والأسرار، كلها تتحوَّل إلى مفاتيح للتأمُّل في تناقضات الكون وغموض الوجود. وهذه النزعة التأمُّليَّة تمنح النص طابعاً مُتشعِّباً في أبعاد الحياة ضمن مقاطع نثرية تظهر ككيانات نابضة بالحياة متنوعة الدلالات والأبعاد، إذ تبدأ بالتطهُّر وتنتهي بسرِّ الأسرار وكأنَّ الرحلة الشعرية هي تجربة وجودية تبحث عن يقينٍ مطلق.
النصُّ الشعريُّ المُعَنْوَن “بمرايا الروح” يحمل كثافةً لغويَّةً وتشعُّباتٍ رمزيَّةً، ويحمل وعياً شعريَّاً فيَّاضاً بمشاعر الشجن والشغف.. إنه متمرّد ومُحمَّل بأسئلة الإنسان المعاصر لكنَّه يحافظ رغم هذا التَّشظِّي على نبرة وجدانيَّة شفَّافة، تجعل القارئ يشعر أنّه أمام روحٍ تكتب بشغف الحياة وجمال الوجود ونضج الوعي الأنسني للحياة، كما تكشف هشاشة العالم واتساع الغموض الكامن فيه.
د. سما سامي بغدادي