
بعد عقود من العمل ودفع الاشتراكات التأمينية، يفترض أن يتحول المعاش إلى ضمان اجتماعي يحفظ كرامة الإنسان في مرحلة الشيخوخة. لكن الواقع في مصر يقول عكس ذلك. ملايين أصحاب المعاشات يعيشون معادلة صعبة: دخل ثابت لا يتحرك، وأسعار تتحرك كل شهر.
متوسط المعاش في مصر اليوم يتراوح بين 2500 و4000 جنيه. في المقابل، وصل إيجار مسكن بسيط في المناطق الشعبية إلى 2000 و3000 جنيه. أي أن صاحب المعاش الذي يحصل على 3500 جنيه يتبقى له ألف جنيه فقط لتغطية طعام الأسرة، فواتير الكهرباء والمياه والغاز، والمواصلات، والدواء. هذه الألف جنيه كانت تكفي نصف شهر قبل سنوات قليلة، واليوم لا تكفي أسبوعاً.
المشكلة لا تتوقف عند الرقم. فالزيادة السنوية للمعاش لا تتجاوز 10 إلى 15% مرة واحدة في العام، بينما تتجاوز الزيادات في أسعار السلع والخدمات هذه النسبة في أشهر معدودة. النتيجة الطبيعية هي تآكل مستمر للقوة الشرائية، وشعور دائم بأن الدخل يتراجع حتى دون أن ينقص الرقم المكتوب في الفيزا.
العبء الأثقل يأتي من بند العلاج. أدوية الأمراض المزمنة كالضغط والسكر والقلب تستهلك وحدها ما بين 40 و60% من دخل صاحب المعاش. التأمين الصحي موجود نظرياً، لكن طول قوائم الانتظار وصعوبة الحصول على الدواء بانتظام يجبر الكثيرين على الشراء من الصيدليات الخارجية، ما يضاعف العبء المالي والنفسي. لذلك تتكرر على لسانهم جملة واحدة: «أنا لا أخاف الجوع، أخاف المرض».
ولا يقف الأمر عند الجانب المادي. فالانتقال من موقع وظيفي له وزن وتقدير إلى حالة تقاعد بلا دور واضح يخلق إحساساً بالعزلة وفقدان القيمة. لهذا يعود كثيرون لسوق العمل غير الرسمي بعد المعاش، ليس فقط للحاجة إلى المال، بل للاحتفاظ بشعور أنهم ما زالوا منتجين ومؤثرين.
الحلول ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إرادة. أولها ربط المعاش بمؤشر التضخم نصف سنوياً بدلاً من الزيادة الثابتة السنوية. ثانيها إنشاء مسار علاجي سريع لأصحاب الأمراض المزمنة فوق 65 عاماً، يشمل توصيل الأدوية وتقليل زمن الانتظار. وثالثها فتح باب التمويل الميسر للمشروعات متناهية الصغر التي يمكن أن يديرها المتقاعدون منازلهم.
المعاش ليس منحة ولا صدقة. هو عقد اجتماعي دفع ثمنه المواطن من عمره وصحته. وإذا انكسر هذا العقد، فإن الرسالة التي تصل لكل عامل اليوم هي أن مستقبله غير مضمون. ومع دخول مصر مرحلة الشيخوخة السكانية، لم تعد معالجة أزمة المعاشات خياراً مؤجلاً، بل أولوية اقتصادية واجتماعية لا تحتمل التأجيل.