رؤي ومقالات

د. مؤيد بدران يكتب :القوة تصنع الخضوع… والفكرة تصنع الإنسان

في صلاة الجمعة الماضية في الأردن، استوقفتني عبارة قالها الخطيب وما زالت تتردد في ذهني حتى هذه اللحظة. قال ما معناه:

“إن أمريكا تريد أن تحكم العالم بالصواريخ والطائرات والحديد والنار والدم، بينما الأصل أن تكون الدعوة بالحكمة حتى تتغير البشرية.”

بعيدًا عن السياسة وأسماء الدول، وجدت نفسي أفكر في الفكرة ذاتها. هل يتغير الإنسان بالقوة أم بالفكرة؟ وهل يمكن للسلاح أن يصنع قناعة، أم أنه يصنع حالة مؤقتة من الخضوع؟

فالإنسان قد يطيع خوفًا، لكنه لا يقتنع خوفًا. وقد يلتزم تحت الضغط، لكنه يعود إلى ما كان عليه بمجرد زوال القوة. أما الفكرة الصادقة، فإنها تجد طريقها إلى العقل والقلب، وتبقى حتى بعد رحيل أصحابها.

عبر التاريخ، ظنت إمبراطوريات كثيرة أنها قادرة على تشكيل العالم بما تملك من جيوش وسلاح ونفوذ. ونجحت أحيانًا في السيطرة على الأرض، لكنها لم تنجح دائمًا في السيطرة على الإنسان. فسقطت دول، وتبدلت حدود، وتغيرت موازين القوى، بينما بقيت أفكار وقيم ورسائل تجاوز عمرها مئات السنين.

ولمن يراجع صفحات التاريخ سيجد أن الإمبراطورية الرومانية، التي حكمت أجزاء واسعة من العالم لقرون طويلة، انتهت كما انتهت غيرها من القوى التي بدت في زمانها عصية على السقوط. وكذلك الإمبراطورية البريطانية التي قيل يومًا إن الشمس لا تغيب عن مستعمراتها، تراجع نفوذها وبقيت قصة تُروى في كتب التاريخ.

وفي المقابل، لم يخلّد التاريخ أصحاب الجيوش وحدهم، بل خلد أشخاصًا لم يملكوا سوى فكرة أو كلمة أو مبدأ. فما زال سقراط حاضرًا لأنه علّم الناس كيف يفكرون، وما زالت كلمات جلال الدين الرومي تُلهم الملايين بعد قرون طويلة، وما زال المهاتما غاندي يُذكر لأنه أثبت أن الفكرة قد تكون أقوى من القوة نفسها.

ولعل أعظم ما يلفت النظر أن أكثر الرسائل تأثيرًا في التاريخ لم تبدأ بقوة مادية هائلة، بل بدأت بفكرة آمن بها أصحابها. لم تبدأ بدبابة أو طائرة، بل بكلمة ومبدأ ورسالة. ولهذا بقي أثرها رغم تغير الأزمنة وتبدل الأمم.

إن العالم اليوم لا يعاني من نقص في القوة، بل من نقص في الحكمة. فوسائل التأثير والتدمير أصبحت أكبر من أي وقت مضى، لكن الحاجة إلى العقل والحوار والفهم المتبادل أصبحت أكبر أيضًا.

ولهذا أعتقد أن السؤال الحقيقي ليس: من الأقوى؟

بل: من الأقدر على إقناع الإنسان؟

من الأقدر على أن يترك أثرًا يبقى بعد رحيله؟

ومن الأقدر على أن يغيّر العقول والقلوب لا أن يفرض عليها ما يريد؟

ومن هنا فهمت لماذا استوقفتني كلمات الخطيب في ذلك اليوم. لأنها لم تكن تتحدث عن دولة بعينها، بقدر ما كانت تطرح حقيقة رافقت البشرية منذ بداية التاريخ:

القوة قد تكسب معركة، وقد تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع إنسانًا جديدًا.

أما الفكرة الصادقة، والحكمة، والكلمة التي تخرج من القلب، فهي التي تغيّر الإنسان، وإذا تغيّر الإنسان تغيّر العالم.

ربما تستطيع القوة أن تفتح مدينة، لكنها لا تستطيع أن تفتح قلبًا. وربما تستطيع أن تُسكت صوتًا، لكنها لا تستطيع أن تقتل فكرة.

ولهذا رحلت إمبراطوريات ظنت نفسها خالدة، وبقيت كلمات قالها أناس بسطاء قبل مئات السنين ما زالت تُلهم البشر حتى اليوم.

فالتاريخ في النهاية لا يخلّد الأقوى، بل يخلّد الأعمق أثرًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى