
لم أعد أفتش عنك في خرائط الغياب،
ولا على جنبات الطرقات
تلوحين بقلبك لباصٍ
يحمل ذلك الجزء المهم منكِ.
فالذين يعبرون دهاليز الروح
لا تضلهم المسافات،
ولا تحتاج أرواحهم إلى بريد أو طريق.
ورغما عني وعن المجاز وعن القصيدة
فأنت استعارة تسكن في الجهة التي لا تصلها الرياح،
في الغرفة السرية من القلب
حيث تخبئ الأيام رسائلها،
وحيث ينام الضوء
مثل طائر أنهكه السفر والعاصفة.
كلما أغلقت باب الذاكرة،
تسلل منك عطر قديم
يشبه صلاة منسية في معبد مهجور،
ودعاء مظلوم….
فتنبت في خراب العمر
شجرة لا يعرفها الربيع.
أتذكرين الربيع؟
كنتِ تلبسينه عندما كان فصلك يعتريني
أنا لا أحبك كما يحب العابرون وجوههم في المرايا،
بل أحبك كما يحب النهر ضفته البعيدة،
يمضي إليها دون أن يبلغها،
ويمنحها من عمره
ما يكفي لتظل واقفة في وجه القحط.
كنت المعنى الذي جاء متأخرا،
كالقصيدة التي يموت شاعر و يكتبها
بعد أن يشيخ الحبر في عروقه.
كنتِ ظلا يطول كلما انطفأت الجهات،
ونجمة تختار أن تسكن العتمة
كي لا يفقد الليل سرّه.
أنا اليوم لا أحمل منك ذكرى،
فالذكريات أصداف فارغة
يلقيها البحر على شاطئ النسيان.
أنا أحمل منك ارتعاشة الوجود الأولى،
ذلك الصوت الخفي
الذي يجعل القلب يصدق
أن الخراب يمكن أن يكون بداية أخرى.
وإن كان لي من خلاص،
فليس في الوصول،
بل في هذا التيه الجميل
الذي يجعلني أمشي نحو المستحيل
وأنا أحمل في يدي
حفنة من رماد النجوم
وعلى كتفي قمران في حالة خسوف…
وقلب يخوض معارك البقاء.