
قد يبدو غريباً للبعض ألا ننجر خلف لغة السلطة التي تخلق في كل مرة قصة للمشاغلة والالهاء وتندفع خلفها الحشود بين الرفض والقبول وهو الهدف ان يبتعد الجمهور عن القضايا الجوهرية كالثروة والعدالة والحرية والقانون والسيادة.
السلطة لغة ومن يكتب بلغة السلطة كمعارض هو جزء من السلطة نفسها لان اللغة ليست ديكوراً بل وعاءً للتفكير. لذلك الطريقة الوحيدة لمقاومة الاعيب ومشاغلات السلطة ان نكتب بلغة ثقافية مضادة لان لغتها تبرر وتكذب وتخدع كما ان الحديث عن السلطة بلغتها يفصل الكاتب عن الجمهور وعن القضايا المركزية.
رفض الكتابة بلغة السلطة والانجرار خلف اختراع مشاكل للالهاء هو شكل من المقاومة الثقافية التي تخشاها السلطة لأنها أمية ثقافياً.
لم أقرأ يوماً أن كاتباً أو مفكراً أو روائياً أو شاعراً أو فيلسوفا في الغرب، كان مشغولا بإرضاء الجمهور، بل على العكس زعزعة اليقينيات الزائفة وكشف الحقائق، والكاتب الغربي خاصة يتباهى بالفردية والتميز والاختلاف بل الادعاء بالجنون للتمايز أو العصاب النفسي وعلى قول جاك ديريدا صاحب المدرسة التفكيكية الادبية التي استعصت على النقاد والفلاسفة ومن الصعب حصره في وصف كناقد او حالم او شاعر او فيلسوف وقلب الفلسفة الغربية:
” أنا مدين للعصاب النفسي الذي أنقذني من القطيع”
وكان فعلاً يعاني من العصاب بل وضع كتابا: “مقاومات في التحليل النفسي”.
بل العكس عاش كتاب الغرب وفلاسفته في صراع شرس مع مؤسسات وسلط سياسية واجتماعية ودينية وفلسفية وتعرضوا للسجون والمطاردة والاهمال والتحريم من جان جاك روسو الى نيتشة ومن فولتير الى بودلير ومن قبلهم سقراط وشرب كأس السم .
في حين لا يستطيع الكاتب العربي الاختلاف مع صرصار سياسي او كركدن ثقافي منتحل أو سائق مسؤول حتى تقوم الدنيا ولا تقعد مع ان تاريخ الثقافة تاريخ تراكم اختلافات ومواجهات وصراعات كانت أساس الحداثة الفكرية والفلسفية والعلمية والادبية اليوم بصرف النظر عن النظم الحاكمة لان الغرب ليس الوجه السياسي الاستعماري بل الوجه الثقافي والفكري والعلمي والادبي.
كان الجمهور يقذف الشاعر بوكوفيسكي بالقناني الفارغة والاحذية خلال الالقاء، فيواصل الالقاء، لأن اللامبالاة شكل فريد من الثقة بالنفس. لا أحد يتذكر اليوم فرداً من ذلك الجمهور لكننا نعرف ونقرأ بوكوفيسكي بشغف كشاعر وروائي.
الذي رسخ وجذر في وعي الجمهور ان على المثقف” الثور ـــ ي” تقديس أوهام الناس للكسب الحزبي، هو الأحزاب الشمولية التي قادت البلد الى خراب ولا يختلف هذا” المثقف الحزبي” عن مهرج سيرك لاضحاك الجمهور لا ايقاظه على أوهامه القاتلة وكونه يعيش على حافة الهاوية. معايير الكاتب” المطرب” وحبيب الجمهور سائدة حتى اليوم.
اذا كان المثقف راضيا ومتصالحا مع الجميع وقابلا بالاوضاع، فلماذا الكتابة والكاتب الحقيقي صورة مستقبل؟ لماذا لا يفتح بقالية او حانة او صالة أزياء او حمّاماً أو بائع شاورمة بتعبير الروائي حنا مينه ما دام” مرغوبا” من الجميع ويسعى لقبول الجميع وهي مهمة مستحيلة؟
كيف يمكن للجميع الاتفاق على شيء أو قناعة أو فكرة والمجتمع ليس كتلة متجانسة بل يتكون من طوائف وقبائل وأديان وأمراض ومقاييس مختلفة؟
مرة كتبت لي على الخاص واحدة تعترف انها حشاشة وكحولية وسُجنت وطُردت من بلد عربي لاسباب اخلاقية وصفات كثيرة من القاع وكل ما في الارض من رذائل تقول” الكل يكرهك” لانني حظرتها ثلاث مرات وفي كل مرة تظهر لي بصفحة باسم جديد، ومع اني لا أعرف كيف قامت بهذه” الاستفتاء” لكني تذكرت قول علي الوردي حول هذه العبارة يقول ما معناه : عندما يقول لك شخص الكل يكرهك، تأكد انه جعل حثالات محيطه القريب كمعيار واختزال المجتمع بهم. هذا الصنف من الحثالات ليست عنده صورة ذاتية عن نفسه لإنه يعيش بذات مزورة لذلك يرى نفسه بعيون ومعايير الحثالات حوله ولا يرى ضحالته الاخلاقية والثقافية. الكائن الذليل لا يفرق بين الحياة الحقيقية والحياة الزائفة بتعبير مارتن هايدغر.
كما انني لست زعيم حزب ولا جنرال جيش ولا عضو برلمان ولست بمطرب حتى أحلم بكسب الجمهور بل أتعامل بالكلمات والكلمات يرد عليها بالكلمات وعكس ذلك فشل وعجز وعطب ثقافي وأخلاقي.
الكاتب ليس مطرباً أو عازفاً بل هو” متورط” بالكتابة كما يتورط غبي بالغباء أو ثعلب في قن للدجاج أغلق عليه أو بدوي في حفل للعراة لأن الكتابة الحية مشروع مغامرة في اللغة والمحتوى أو لا تكون.
المثقف بتعبير ادوارد سعيد: ” إنسان، مهمته أن يطرح علنا للمناقشة أسئلة محرجة، ويكون شخصاً ليس من السهل على الحكومات أو الشركات استيعابه، وأن يكون مبرر وجوده تمثيل كل تلك الفئات من الناس والقضايا التي تُنسى وتُغفل قضاياها بشكل روتيني… ان الانتهاكات المتعمدة أو الناجمة عن إهمال هذه المعايير يجب ان يشهد ضدها وان تحارب بشجاعة.ان أقل ما يجدر بالمثقف عمله ان يكون همه إرضاء جمهوره: فالعبرة الأساسية برمتها ان يكون محرجاً، ومناقضا، بل حتى مكدراً للصفو العام”
الكاتب الفرنسي ميشال ليريس الذي لم يكن معروفاً للجمهور رغم صداقته لكبار كتاب فرنسا وتأثيره على بعضهم، سيمون دي بوفوار خاصة، الذي نال الشهرة بعد وفاته، وصف الأدب بالقول:
” “الأدب بوصفه مصارعة ثيران: الأدب بدون مخاطرة قاتلة ومجازفةومجابهة مع الموت ليس أدبا حقيقيا وانما مجرد انشاء وبلاغة مملتين”
ظاهرة غريبة في الوسط الادبي العراقي لا وجود لها في اي وسط عربي او غربي وقد عشت الاثنين شرقاً وغرباً ولم اعثر على هذه الظاهرة البدوية والقبلية:
اذا اختلفت مع أحدهم، يغضب الجميع منك حتى بلا معرفة خلفيات الاختلاف، كما لو أننا أمام شيخ ومريدين وأتباع، يعرف القصة ولا يعرف التفاصيل وتحت أية ظروف.
وعندما تتصالح معه يتصالحون معك بلا معرفة السبب أيضا كما لو اننا في خيمة فصل عشائري وانتهت المشكلة، هذه هي المسوخية وثقافة التلقين،
كما لو اننا امام اتباع الاحنف بن قيس شيخ بني تميم (نحو 20 ق هـ – 72 ه) اذا غضب سُلّت السيوف بلا سؤال واذا رضي عادت الى اغمادها بلا سؤال.
كما لو اننا لم نغادر زمن القبائل وزمن الشاعر جرير: “اذا غضــبت عــليك بنــو تميم، حسبت النــاس كلــهم غضابا”.
حتى الشاعر جرير (33 هـ – 110 هـ/ 653 – 728 م) لم يستوعب هذه الظاهرة في قبيلة، فكيف في نخب القرن 21؟
في كتابه” السلطة الثقافية والسلطة السياسية” يتابع البروفسور والمفكر المغربي علي أومليل ظاهرة ولادة المثقف العربي عبر التاريخ وظاهرة ولادة المثقف الغربي ويثبت انه في كل مراحل التاريخ كانت السلطة الثقافية تعمل ياستقلالية وبالضد من السلطة السياسية وتحد من غطرستها، لكن في العالم العربي من الصعب جداً التفريق بين سياسي ومثقف سواء كان روائيا ام شاعرا أم ناقداً ، بل السياسي يعترف ضمناً بعدم اقترابه من الادب لأنه مجال لا ينفع الكذب فيه لأنه يتأسس على انجازات هذا اذا قرأ السياسي كتاباً فكرياً أو أدبياً لكنه قارئ نهم لقوائم الاغتيالات وحسابات المصارف وموثق دقيق للحاشية.
هؤلاء لا يكتبون أفكارهم ولا مشاعرهم بل يكتبون قراءاتهم، ومن الصعب التمييز بين هؤلاء، بلا تعميم، لأني عشت وعملت وتابعت هؤلاء وهذا الرأي خلاصة تجربة عريقة في الوطن والمنفى.
استقلالية المثقف والكاتب جزء جوهري من الضمير ومن الشرف ومن الابداع وبلا ذلك هو عرضحلجي ـــ كاتب عمومي ـــ كاتب شكاوى أمام محكمة.
كيف يكتب هؤلاء؟ وماذا يكتبون؟ اذا كانوا بلاثقافة قانونية وحس بالعدالة؟
الناقد الفرنسي الكبير رولان بارت ميز بين الكاتب المبدع الذي يكتب من أعماقه وبين “المستكتب” الذي يكتب قراءاته ، أي النساخ والمنتحل: النساخ يكتب قراءاته والكاتب يكتب من أعماقه وفي بلد تضيع فيه المقاييس بما في ذلك النقدية يختلط الحابل بالنابل.
الاحتيال الثقافي أخطر من الاحتيال السياسي لأنه يشوه وعي وضمائر الناس.
عندما تخضع الثقافة للغة السياسة ومعاييرها وعلاقتها، خارج شروط الادب، تصبح خيانة الكتابة التي هي أخطر من خيانة السياسي التي يمكن علاجها يوما، بل ان خيانة المثقفين أكثر خفاءً لقدرتهم على تبريرها، عكس خيانة السياسي الأبله التي يمكن كشفها.
تزوير الكتابة تزوير لضمائر ووعي الناس تتجاوز الخيانة المالية الى الخيانة الاخلاقية والثقافية تحت غطاء واسع من التهريج والغوغأة والصبينة في مجتمع في مأزق معجب بكل من يكتب هراءً منتحلاً أو مستنسخا او انشاءً مدرسياً وهؤلاء يحتاجون الى وسط تافه كما يحتاج السمك للماء.
يقول الفيلسوف الكندي آلان دونو في كتابه المثير” نظام التفاهة:
” التافه لا يستطيع العيش إلا وسط تافهين ومواقع التواصل نجحت في ترميز التافهين ، أيّ تحويلهم إلى رموز . صار يمكن لأية جميلة بلهاء أو وسيم فارغ ، أن يفرضوا أنفسهم على المشاهدين، عْبَر عدة منصات تلفزيونية عامة”