
كتب:هاني الكنيسي
بعيدًا عن التكهنات حول مغزى ونتائج زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للقاهرة ولقائه الرئيس السيسي، وما يتردد عن تنسيق بينهما للرد على تصاعد الهجمات الحوثية وتهديد الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، يكاد يسود شعور عام بين عديد السعوديين بخيبة أمل إزاء “تخاذل” الموقف الأمريكي.
وتتزايد الترجيحات بأن ترمب يبدو وكأنه “يعاقب” الرياض بسبب عدم رضوخها لإلحاحه على التعجيل بالتطبيع الإبراهيمي مع إسرائيل (على غرار جاراتيها الخليجيتين)، وقبلها الامتناع عن الاستجابة لطلب المشاركة “رسمياً” في الحرب علي إيران.
ثم جاء اختيار البرتقالي للنائب الصقوري في الكونغرس والجنرال السابق ‘ويسلي هانت’ Wesley Hunt، سفيرًا جديداً لدى السعودية، ليزيد من منسوب الشك في نيات واشنطن تجاه حليفتها الاستراتيجية.
‘هانت’ -الذي ينتظر موافقة مجلس الشيوخ لاستلام مهمته رسمياً- ليس دبلوماسيًا تقليديًا. فهو ضابط سابق خدم في الجيش الأمريكى، وقاد مروحيات قتالية، ونفّذ 55 مهمة عسكرية في غزو العراق، قبل أن ينتقل إلى السياسة كنائب جمهوري عن ولاية تكساس. (علمًا بأنه عمل سابقاً كضابط اتصال دبلوماسي في السعودية)
وفضلا عن خلفيته العسكرية اللافتة، فإن ما يميز حالة ‘هانت’ تحديدًا في هذا الدور الدبلوماسي الحساس هو “خطابه السياسي” وتوجهاته الأيديولوجية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالعالم الإسلامي الذي تمثل السعودية قبلته (بالمعني الديني والرمزي).
فالرجل، البالغ من العمر 44 عامًا، معروف بمواقف وتصريحات وصفتها منظمات حقوقية، من بينها “المجلس الأميركي الإسلامي للعلاقات” CAIR، بأنها معادية للإسلام، فضلا عن دعمه الصريح لإسرائيل الذي يضعه في صدارة التيار الجمهوري المؤيد للصهيونية السياسية.
وفي تصريح مسجل بالصوت والصورة أمام أعضاء منظمة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) AIPAC عام 2022، وصف ‘هانت’ إسرائيل بأنها “الحليف الحقيقي الوحيد” للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، مضيفًا بالحرف “لدينا أعداء في كل أنحاء المنطقة، لا سيما إيران. ولنكن صادقين، معظم منفذي هجمات 11 سبتمبر وُلدوا في السعودية”!!
كما أنه صوّت لصالح جميع مشاريع القوانين التي تدعم إسرائيل عسكريًا وسياسيًا منذ بداية ولايته. وفي أبريل 2023، صوّت لصالح قرار يحث على توسيع الاتفاق الإبراهيمي.
هذا المزيج “السحري” بين الخلفية العسكرية القتالية والخطاب الأيديولوجي الحاد يطرح تساؤلات مشروعة حول أسباب اختيار ‘هانت’ بالذات، لشغل منصب يتقاطع مباشرةً مع إدارة العلاقات الأمريكية السعودية في توقيت بالغ الحساسية والتعقيد. ففي يوليو الماضي، أبرمت واشنطن اتفاقية تعاون نووي مدني مع السعودية. لكن ترمب عاد لاحقًا ليربط بين تنفيذّها وموافقة الرياض على الانضمام للاتفاق الإبراهيمي، بينما أصرت السعودية على أن التطبيع مع إسرائيل يجب أن يسبقه تقدم نحو إقامة دولة فلسطينية. وهنا تحديدًا يبدو اختيار ‘هانت’ غير بريء بالمرة.
ومن منطلق أن الأشياء تُعرف بأضدادها، فإن المقارنة بين السفير الأمريكي السابق في الرياض ‘مايكل راتني’ Michael Ratney (انتهت فترته قبل عام ونصف عام، وتولّت الدبلوماسية المخضرمة ‘جنيفر لارسون’ إدارة السفارة بصفة قائم بالأعمال) والمرشح الجديد ‘ويسلي هانت’، قد تكون مفيدة في توضيح الصورة.
‘راتني’، الدبلوماسي المحترف الذي قضى 34 عامًا في السلك الخارجي، لا ينتمي لأي حزب سياسي (رغم أن تعيينه سفيرا في الرياض جاء في عهد بايدن)، وكان صريحًا في تشخيصه لإخفاقات “الشراكة الدفاعية” بين واشنطن والرياض التي وصفها سابقاً بأنها “استراتيجية وتاريخية وتخدم استقرار الخليج”.
فبعد مغادرته المنصب، قال إن “السعوديين يشعرون بالإحباط الشديد حاليًا، ويمكن القول إن هذا أسوأ سيناريو محتمل بالنسبة لهم”، مشيرًا إلى أن السبب وراء استثمار السعودية بكثافة في تطوير شراكة أمنية مع الولايات المتحدة “هو بالضبط هذا النوع من الاحتمالات”. بل واعتبر “علناً” أن أي مسار للتطبيع بين الرياض وتل أبيب “أصبح معقدًا بشكل كبير إثر حرب غزة”، وأن دول الخليج تحتاج إلى “ضمانات أمنية واضحة ومستدامة” تتناقض مع اتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية “دون أفق سياسي”.