
اذا كنت تعتقد ان في العراق يساري ويميني وليبرالي وقومي وديمقراطي
وثوري وتقدمي واشتراكي وداعشي وقاعدي وسلفي،فأنت مثل من يعتقد أن البغل من سلالة فيلة وان عمه الأسد لان البغل مهجن مثل أحزابنا من تزاوج الفرس من الحمار.
أو مثل من يؤمن أن خال النملة نسر وعمود الكهرباء من إختراع النمر واللبن من صنع الرمل والفيل يعزف بيانو، وأكثر سخرية الادعاء بالليبرالية مع ان اوروبا قطعت خمسة قرن ثورات فكرية وصناعية وعلمية وفلسفية وضحايا للوصول الى الليبرالية التي من شروطها رفض اي مرجعية دينية عدا مرجعية السوق وثقافة حرة ونظام مصرفي وسياسي شفاف وضمانات اجتماعية وحقوق عامة وفردية كالبحث والشك والمغامرة الفكرية في قانون ونظام مستقل وتداول عادل للسلطة وطبقة سياسية رصينة بتقاليد مع سلطة ثقافية رادعة والخ.
من أين جاء الليبرالي في مجتمع يحتاج سنوات لعبور مرحلة البلطجية؟
من تجرية وتأمل وفحص وتدقيق من سجون وحروب العراق،
الى سجون آسيوية ومن منافي الشرق وأفريقيا، الى أوروبا والدول الاسكندنافية، من وجهة نظر مختلفة وعقل مستقل،
توصلت قبل الاحتلال بسنوات الى أن هؤلاء جميعاً حزب واحد وضحايا وجلادين بعقل واحد،
ونظام واحد لأن السلطة ليست جيشاً وشرطة بل عقلية وطريقة إدارة الدولة
والثروة والعدالة وهؤلاء جميعاً كأسنان المشط في الاقصاء والمحو والخفة العقلية والاحكام الفورية والمحاكم المرتجلة وفي احتكار الثروة والسلطة والشرف والتاريخ والخ.
الحديث هنا عن تيارات عامة وقد يتواجد أفراد خارج هؤلاء ونعتذر لهم بكل محبة وحنان وتفهم. في الغرب عندما تصف هذا الشخص او الحزب انه يساري انما تصف ثقافة محددة الملامح وسلوكيات وبرامج وممارسات ومبادئ وكذلك عند وصف الشخص أو الحزب باليميني.
لكن في العراق لأن الانسان بترت ذاته الطبيعية ولم يعش في مناخ من التفتح والحرية والمسؤولية، فتعددت فيه الشخصيات للتحاشي والنجاة ولا تستغرب اذا كان هو في الصباح في حانة يضرب كأس أولها بكأس آخرها وفي المساء يلطم في موكب عزاء كربلائي ويضع صورة جيفارا على صفحته وصورة له وهو يعانق شبك ضريح ويلقي محاضرة عن السلام الاسري وياتي سكران منتصف الليل ويكسر الفرفوري. في الستينات كل عام انقلاب والغاء مناهج مدرسية وتمزيق صور وقواعد وطوابع : فكيف يتوازن الطفل على قيم ومعايير تتغير دائما بسرعة الى النقيض؟
لم تترك للعراقي فرصة ان ينمو بصورة طبيعية بل خلقوا فيه سلط متعددة بحيث صار سجناً متنقلاً يعرف المحظور والمسموح. فلا تستغرب ان وجدت عفالقة حمر في الحزب الشيوعي او بالعكس تجد شيوعيين في الفكر في حزب البعث.
كتب اسماعيل كاداريه الروائي الالباني، يوماً قصيدة بعنان: ” الباشوات الحمر” تصور اعضاء للجنة المركزية للحزب الشيوعي الالباني الحاكم قد ذهبوا، في عيد الثورة، الى المقبرة لنبش قبور الاعداء الطبقيين. ومهنة حفر قبور الاعداء اختصاص عراقي صرف ومن النادر ان ظل قبر رئيس كما دفن: إما نبش أو هرّب ميتاً الى مكان مجهول. حتى قبر الشهيد فهد نبش مرات في مقبرة باب المعظم وعلى مقربة منه قبر الشهيد فكرت جاويد القيادي الشيوعي في السليمانية الذي اغتيل في تموز 1975 كجزء من تصفية القيادات الجذرية كالشهيد محمد الخضري 1970 والشهيد ستار خضير عام 1969 وترك الانتهازية ثم عام 1980 اعدام صفاء الحافظ وصفاء الدرة، بل فتح الباب للقيادة للهروب خشية من قيادة بديلة لا يمكن التلاعب بها.
قيل الكثير عن هذه القصيدة، بل هناك من كتب ألا وجود لها أصلاً،
وكاداريه ـــ قادري ـــ عاجز تماماً عن ذلك في نظام الدكتاتور أنور خوجة،
مع انه كان مقرباً منه، لكن كادريه يقول في تصريح أخير:
” انه كان بين معارضة الدكتاتور العلنية والموت أو العثور على تسوية للبقاء حياً “،
وكاداريه وحده يتحمل ظروفاً واجهته ووحده المخول في الرد عليها كما تمليه عليه قدرته.
ومن قائل ان هذه القصيدة منعت بأمر قيادي وهي سخرية مبطنة من الحزب ونفي الروائي الى قرية فترة قصيرة،
ومن قراءة شخصية للروائي اسماعيل ومعرفة مزاجه المراوغ والمدهش، أميل الى هذا الاعتقاد الاخير،
خاصةً وان كتاباً صدر أخيراً يؤكد ان القصيدة حقيقية، وان كاداريه تعرض لوشاية من رئيس اتحاد الكتاب،
ومع ذلك تغري هذه الفكرة بكتابتها والتناص معها يوما من قبل كاتب آخر لأن المشكلة ليست في اللون والزي بل في العقلية التي تحتكر الحقيقة والمعرفة والتاريخ سواء كانوا بالقبعات او العكل: ليست القبعة أو العمامة او العكال بل العقل.
خلاصة الفكرة ان المشكلة ليست في لون الباشوات سواء كانوا حمراً،
أو بعمائم بيض أو سود، بل في العقلية والذهنية وطريقة النظر الى الحياة،
لأن النتائج نفسها في الحالتين.
لكن فكرة نبش العدو الطبقي أو السياسي او الديني من تقاليدنا العريقة في العراق، وليس غريباً ان غالبية رؤساء العراق لا قبور لهم،
ولا يمكن اعتبار ” رماد” عبد السلام عارف قبراً بعد ان احترق في حادث طائرة مدبر في البصرة. الزعيم عبد الكريم قاسم رميت جثته في النهر، والرئيس عبد الرحمن عارف دُفن في عمان،
وليس معروفا مصير قبر الرئيس أحمد حسن البكر الذي مات ، حياُ، قبل الموت، في الاقامة الجبرية، حتى النهاية بحقنة زائدة من الانسولين،
ولا أثر لقبر آخر ملوك العراق الملك فيصل، وأما قبر صدام حسين فتم محوه من على وجه الأرض والارجح ان الجثة نقلت الى مكان سري.
الأمر، في عراق المباهج، لا يشمل نبش قبور الرؤساء والملوك فحسب،
بل حتى المعارضين، تعرض قبر فهد مؤسس الحزب الشيوعي للنبش مرات في مقبرة باب المعظم، مرة وقفت لقراءة الفاتحة عليه، فجاءت حجرة من نافذة من منزل مجاور مطل على المقبرة، كما ان قبر ميشيل عفلق صار أثراً بعد عين،
ولو لا حماية الامام موسى الكاظم، لكان قبر أحمد الجلبي قد صار مقهى أو بقالية أو دكان تتن.
النبش والمحو والاقصاء ليست خاصية طرف بل كل الاطراف ضد المختلفين معهم حتى ما بعد الموت. لا حرمة للموتى إلا اذا كانوا يشبهوننا في الحياة. تلك قصة الحاضر وليست قصة التاريخ.
كلمة” معارض ” في القاموس العراقي تختلف عن كل قواميس العالم.
قد يكون معارضاً في الرأي ومعارضاً في المذهب ومعارضاً في السياسة،
بل حتى قد يكون معارضاً في الزي واللحية والتدخين وفي كرة القدم وفي نوع المقهى المشبوه والاصدقاء وحتى شكل الشوارب تكون تهمة،
أو قد يكون معارضاً للصوص لكنه في العقلية لا يختلف عن هؤلاء.
قبل الخروج من المنزل، عليك ان تتحمل عددا من المعارضين للبنطال والتسريحة والعطر وصريج الحذاء وطريقة المشي والنظارات الشمسية بل قد يحدد شكل الشارب هويتك السياسية خاصة اذا كنت ستالينياً بالصدفة أو المقهى الذي تجلس فيه أو الأصدقاء الذين ترتبط بعلاقة معهم. ثقافة الوصم الفوري.
بطل رواية” القلعة الخامسة” عزيز محمود سعيد للشاعر والروائي فاضل العزاوي سافر من كركوك الى بغداد بحثاً عن بنت هوى وجلس في مقهى أمام سينما الخيام التي كان روادها من الشيوعيين والقوادين وخلال مداهمة المقهى أُخذ معهم وسجن خطأً وفي القلعة الخامسة ـــــ سجن باب المعظم من قلاع ــــ صار سياسياً بل قائداً للتنظيم. هكذا تسيس السلطة الغبية الناس. في حوار منشور مع العزاوي يقول: ” قال لي ضابط أو معاون الشرطة: أنا لا أعرف هل أنتم مناويك أم سياسيين؟”. طبعا السلطة لا علاقة لها بالصنف الأول.
في نظام دكتاتوري تضيع الحدود بل التساهل مع الصنف الأول ممكن.
الكل يطالب بالديمقراطية دون ان نصل الى تعريف معقول ومنطقي.
” الهوية الفردية ” للانسان، في بلدنا المحبوب، بلد المباهج المتنقلة،
لا تصنعها الموهبة والكفاءة كما عند شعوب الأرض،
بل تُصنع حسب منطقة السكن والشارع واللقب العائلي والمهنة والجاه والعشيرة وحتى الوشاية تصبح بالقوة والتكرار هوية فردية،
وهي هوية زائفة مرتجلة، هوية جاهزة مظهرية،
أما الهوية الحقيقية الفردية حسب الكفاءة والعلم والمعرفة والموهبة والمشاعر والعواطف الخاصة، فملغاة.
الفرد في مثل هذه الحال يمارس القمع ضد نفسه، وضد الاخرين دون أن يدري وهو رافع شعار الديمقراطية. ليست قصة لون أو شكل أو زي بل القضية أعمق من ذلك بكثير. قصة الجميع باشوات وان اختلفت الألوان.