قراءةٌ نقديّةٌ في قصّةِ “بوصلةُ الروحِ” للكاتبة: نجاح الدروبي.. بقلم الناقدة القديرة: ليلى صليبي- لبنان

قصَّة قصيرة
بوصلة الروح
بقلم: نجاح الدروبي
تلفَّعت بمعطفها القديم، ووقفت على رصيف المطار البارد تطحن الحصى بأسفل حذائها. خمس سنوات مضت، ولم يتوقَّف ذلك الارتعاش الخفي في سبابتها كلما عبرت طائرةٌ الأفق. كانت الشائعات تهمس في أذنها كفحيح الأفاعي:
-“لقد تزوج بامرأةٍ ثريَّةٍ هناك في بلاد الذهب الأسود”.
وكانت تهزُّ رأسها بعنفٍ لتطردَ الفكرة، متمسِّكةً بخيطٍ واهنٍ يربطها به.
ارتفع هسيس محرِّك طائرةٍ هبطت للتو. اندفع المسافرون، فتعلَّقت عيناها بالوجوه الغريبة، تبحث عن ملامحه السمراء. تراجعت خطوةً إلى الخلف، وكتفاها يهبطان بانكسار وهي تهمس لنفسها:
-“خيبةٌ أخرى.. كالعادة”.
استدارت لترحل، لكن هبّة ريحٍ مفاجئة حرَّكت أطراف ثوبها. لم تكن ريحاً عادية، بل كانت محمَّلةً برائحة الهيل والعود. تجمَّدت في مكانها، والتفتت بذعر المشتاق، فلم تجد خلفها سوى رجلٍ مسنٍّ، يرتدي عباءةً أتعبها السفر، ويبتسم لها بحنوٍّ بالغ.
مدَّ الشيخ يده المرتجفة، وفي كفّه ورقةٌ مجعَّدةٌ تحمل آثار تراب المسافات، وقال لها بصوتٍ متهدِّج، يغالب أنفاسه المتعبة:
-“يا ابنتي.. لا تبكي. كان معي في غربة العمل والمشقَّة رجلٌ لم يمرّ يومٌ إلا ونطق فيه باسمكِ”.
ابتلعت ريقها الجاف، ونظرت إلى الورقة دون أن تجرؤ على مدِّ يدها:
-“هو؟.. أين هو إذن؟ ولماذا لم يأتِ معك؟”
تنهَّد الشيخ، وربت على كتفها بعطف الأب وهو يضع الرسالة في كفِّها:
-“حاصره المرض يا ابنتي، وقست عليه الظروف وانقطعت به السبل. وحين عجزت خطاه عن السير، أودعني روحه في هذه الورقة. لقد أقسمت له أن أصل إليكِ، لأرفع عن كاهلكِ وحشة الظنون وضجيج الشائعات”.
سحبت الورقة بسرعة، وكانت أناملها ترتجف وهي تفتح طيَّاتها. انطبعت عيناها على الخط المألوف الذي لم يغيِّره الاغتراب، وقرأت بصوتٍ مخنوقٍ بالدموع:
“إلى روحي وسويداء قلبي.. الحرب قطعت وصالي، والعمل المتواصل أدمى جسدي، لكن طيفكِ كان بوصلتي. لن أتزوَّج غيرك، لأنني لا أبيع الوعد أبداً.. أنا عائدٌ إليكِ، وإن تأخَّر جسدي، فرسالتي هذه هي أولى خطواتي على أرضكِ. انتظريني عند ذات الرصيف، فالفجر قادمٌ لا محالة”.
سقطت دمعةٌ حارَّةٌ من عينيها، فمحت بقعة ترابٍ صغيرة عن الرسالة. لم تكن دموع خيبةٍ هذه المرَّة، بل غسلت غبار خمس سنين من الشك والانتظار. نظرت إلى ساعة يدها المتوقِّفة، ثم رفعت رأسها نحو الأفق الشاسع، وابتسمت لضوء الفجر الشفيف الذي بدأ يشقُّ عتمة السماء.
22 / 9 / 2026
القراءةُ النقديةُ:
في قصةِ «بوصلة الروح» حين يصبحُ الوفاءُ طريقاً الى الفجرِ لا يكونُ الانتظارُ مجرّدَ حالةٍ زمنيةٍ، بل يتحوّلُ إلى امتحانٍِ للذاكرةِ والوفاءِ والثقةِ. ومنذُ المشهدِ الأوّلِ، تضعُنا الكاتبةُ أمامَ امرأةٍ أنهكها الغيابُ، لكنّها لم تستطعْ أن تتخلّى عن خيطِ الأملِ الأخيرِ الذي يشدُّها إلى الحبيبِ الغائبِ.
جاءَ المطارُ فضاءً سرديًّا موفّقًا؛ فهو مكانُ العبورِ والرحيلِ والعودةِ، ولذلك ينسجمُ دلاليَّاً مع تجربةِ البطلةِ المعلّقةِ بين ماضٍ لم ينتهِ وحاضرٍ لا يكتملُ ومستقبلٍ تنتظرُه. أمّا الرصيفُ الذي يتكرّرُ حضورُه، فيغدو رمزًا للانتظارِ الثابتِ، في مقابلِ الطائراتِ التي تحملُ المسافرين وتعيدُهم، وكأنَّ الزمنَ يتحرّكُ من حولِ البطلةِ بينما تبقى هي في النقطةِ ذاتِها.
وتنجحُ الكاتبةُ في بناءِ حالةٍ نفسيةٍ واضحةٍ من خلالِ التفاصيلِ الصغيرةِ: ارتعاش السبابة، طحن الحصى بالحذاء، هبوط الكتفين، الهمس، جفاف الريق. وهي تفاصيلٌ لا تصفُ الحزنَ مباشرةً، بل تجسّدُه جسديَّاً، فتجعلُ القارئَ يلمسُ قلقَ الانتظارِ بدلَ أن يقرأَ عنه فقط.
ويبرزُ في النصِّ صراعٌ بين الشائعةِ والحقيقةِ؛ فالشائعةُ تقولُ إنّه تزوّجَ، بينما القلبُ يتمسّكُ بخيطِ الوفاءِ. ومن هنا يصبحُ الانتظارُ مواجهةً بين صوتِ الخارجِ وصوتِ الداخلِ. وتأتي الرسالةُ في لحظةِ الذروةِ لتمنحَ الحقيقةَ حضورَها، لا بوصفِها خبراً فحسبُ، بل باعتبارِها استعادةً للثقةِ التي أرهقَها الغيابُ.
أمّا الشيخُ، فلا يؤدّي وظيفةَ الناقلِ للرسالةِ فقط، بل يتحوّلُ إلى جسرٍ إنسانيٍّ بين الغائبِ والحاضرةِ، وبين الغربةِ والوطنِ. وقد منحتِ الكاتبةُ هذا الجسرَ بعداً وجدانياً حين جعلتْه يحملُ «روحَه» في ورقةٍ؛ فتتحوّلُ الرسالةُ إلى كيانٍ رمزيٍّ يحملُ حضورَ الغائبِ قبلَ حضورِه الجسدي.
ويأتي عنوانُ القصةِ «بوصلةُ الروحِ» متصلًا اتصالًا وثيقاً بجوهرِها؛ فالحبيبُ يقولُ: إنَّ طيفَها كانَ بوصلتَه، بينما يمكنُ القولُ: إنَّ وفاءَها كانَ بوصلتَها هي أيضاً. وهكذا تتقابلُ روحان في اتجاهٍ واحدٍ، رغمَ المسافاتِ والحربِ والمرضِ والسنواتِ.
وللغةِ النصِّ قدرةٌ واضحةٌ على صناعةِ المشهدِ، ولا سيّما في الانتقالِ من بردِ المطارِ إلى رائحةِ الهيلِ والعودِ، ومن عتمةِ الانتظارِ إلى ضوءِ الفجرِ. فالحواسُ هنا ليستْ للزينةِ، وإنّما تؤدّي وظيفةً سرديّةً؛ الرائحةُ تصبحُ علامةً على الماضي والحبيبِ، والفجرُ يصبحُ علامةً على انكشافِ الحقيقةِ وانبعاثِ الأملِ.
وتتكرّرُ في النهايةِ ثنائيةُ العتمةِ والنورِ: خمسُ سنواتٍ من الشكِّ والغبارِ في مقابلِ رسالةٍ تمسحُ «غبارَ» الانتظارِ، وفجرٌ يشقُّ السماءَ كما تشقُّ الحقيقةُ عتمةَ الظنونِ. لذلك تبدو النهايةُ امتدادًا طبيعيًّا للمسارِ النفسي للقصةِ، لا مجرّدَ خاتمةٍ سعيدةٍ.
ولعلَّ أجملَ ما في النصِّ أنَّ الرسالةَ لا تصلُ إلى يدِ البطلةِ فقط، بل تصلُ إلى قلبِها؛ فهي لا تحملُ خبرًا عن الحبيبِ بقدرِ ما تعيدُ إليها يقينًا كادَ يضيعُ. ومن هنا تصبحُ «بوصلةُ الروحِ» قصةً عن الحبِّ الذي لا تقيسُه المسافاتُ، وعن الوعدِ الذي يظلُّ حيًّا حين يحرسُه الوفاءُ.
إنّها قصّةٌ قصيرةٌ ذاتُ بناءٍ واضحٍ، تعتمدُ المفارقةَ الوجدانيةَ، والرمزَ، والتفاصيلَ الحسيةَ، وتنتهي بصورةٍ مضيئةٍ تختصرُ رسالتَها: قد يتأخرُ الوصولُ، لكنَّ الروحَ التي تعرفُ وجهتَها لا تضلُّ الطريقَ.
وفي الختامِ، كلُّ الشكرِ والتقديرِ للكاتبةِ المبدعةِ “نجاح الدروبي” على قصتِها الآسرةِ «بوصلة الروح»، التي نسجتْ خيوطَها بوجدانٍ رقيقٍ، ولغةٍ شفيفةٍ، وسردٍ مشوّقٍ، وجعلتْ من الانتظارِ والوفاءِ والحنينِ بوصلةً تقودُ الأرواحَ إلى مرافئِ الأملِ.
دمتِ مبدعةً، يفيضُ قلمُكِ جمالًا وإحساسًا، ودامَ هذا العطاءُ الأدبيُّ النابضُ بالصدقِ والجمالِ.
بقلم الناقدة المبدعة: ليلى صليبي