صحه ومرأه

القلق.. متى يكون شعورًا طبيعيًا ومتى يتحول إلى اضطراب…..بقلم د. سهير ديب

القلق جزء طبيعي من حياتنا. نشعر به قبل مقابلة مهمة، أو امتحان، أو قرار مصيري، أو عندما نواجه أمرًا غير واضح بالنسبة لنا.

وفي هذه الحالات، قد يكون القلق مفيدًا؛ فهو يجعلنا أكثر انتباهًا واستعدادًا لما هو قادم.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول القلق من شعور عابر إلى حالة تسيطر على حياة الإنسان.

قد يبدأ الأمر بتفكير مستمر:
ماذا لو حدث شيء سيئ؟
ماذا لو فشلت؟
ماذا لو مرضت؟
ماذا لو فقدت شخصًا أحبه؟

ثم تتحول هذه الأسئلة إلى دائرة لا تتوقف، ويجد الإنسان نفسه يعيش أحداثًا لم تحدث أصلًا، ويستنزف طاقته في محاولة الاستعداد لكل الاحتمالات.

اضطرابات القلق ليست مجرد «تفكير زائد» كما يصفها البعض، وليست دليلًا على ضعف الشخصية.

فالقلق قد يظهر أيضًا في صورة أعراض جسدية؛ مثل سرعة ضربات القلب، والتوتر العضلي، واضطراب النوم، والتعب، وصعوبة التركيز، وأحيانًا الشعور بضيق أو خوف شديد.

وقد يبدأ الشخص في تجنب أماكن أو مواقف معينة خوفًا من أن يشعر بالقلق فيها، ومع الوقت يمكن أن تصبح دائرة التجنب نفسها جزءًا من المشكلة.

ومن المهم هنا أن نفرق بين القلق الطبيعي وبين اضطرابات القلق.

ليس كل شخص يقلق لديه اضطراب نفسي، كما أن القلق لا يعني بالضرورة أن هناك خطرًا حقيقيًا في اللحظة نفسها.

المعيار المهم هو: إلى أي مدى أصبح القلق يؤثر في حياة الإنسان؟

هل أصبح يعطل عمله؟
هل يؤثر في نومه؟
هل يبعده عن الناس؟
هل يجعله يتجنب أشياء كان يستطيع القيام بها من قبل؟
هل أصبح التفكير في الاحتمالات أسلوب حياة لا يستطيع إيقافه؟

عندما يبدأ القلق في السيطرة على حياة الإنسان بهذه الصورة، يصبح من المهم طلب تقييم ومساعدة متخصصة.

والتعامل مع اضطرابات القلق لا يعني أن نطلب من الشخص ببساطة أن «يتوقف عن التفكير» أو «أن يكون إيجابيًا».

فالإنسان القَلِق لا يحتاج إلى لوم، وإنما يحتاج إلى فهم ما يحدث معه، وتعلم مهارات مناسبة للتعامل مع أفكاره ومشاعره وأعراضه، وقد يحتاج إلى علاج نفسي متخصص، وأحيانًا إلى تقييم طبي أو دوائي بحسب الحالة.

والأهم أن نعرف أن التخلص من القلق تمامًا ليس هو الهدف دائمًا.

فالقلق جزء من التجربة الإنسانية، لكن الهدف هو ألا يصبح هو الذي يقود حياتنا.

أن نشعر بالقلق دون أن يقرر القلق نيابة عنا.

أن نلاحظ الفكرة دون أن نصدق كل ما تقوله.

وأن نتعلم أن بعض الاحتمالات لا يمكن السيطرة عليها، وأن قدرتنا على التعامل مع ما يحدث أهم من محاولة التنبؤ بكل شيء.

الصحة النفسية لا تعني أن نعيش بلا خوف أو قلق، وإنما أن نتعلم كيف نعيش دون أن يصبح الخوف هو من يعيش حياتنا بدلًا منا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى